"سُكَّتْ"بالسِّينِ المُهْمَلَةِ, ومَعْنَاهُ"ضُيِّقَتْ"، يُرِيدُ أَنَّ حَلَقَ الدُّرُوعِ مُضَايَقٌ بَيْنَها. والقَفْعَاءُ: شَجَرَةٌ عَلَى وَجْهِ الأَرْضِ كحَلَقِ الدُّرُوعِ. والمَجْدُولُ: المُحْكَمُ [الصَّنْعَةِ] .
و"قَدْ شُكَّتْ"جُمْلَةٌ فِي مَوْضِعِ الصِّفَةِ لـ"سَرَابِيلُ". و"كَأَنَّهَا حَلَقُ القَفْعَاءِ"صِفَةٌ,"حَلَقُ"و"مَجْدُولُ"صِفَةٌ أُخْرَى، وذَكَرَه عَلَى المَعْنَى, ويَجُوزُ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى لَبُوسِهِم أي: هو مَجْدُولٌ.
لا يَفْرَحُونَ إِذَا نَالَتْ رِمَاحُهُمُ ... قَوْمًا، وَلَيْسُوا مَجَازِيعًا إِذَا نِيلُوا
يَصِفُهُم بالشَّجَاعَةِ، وكِبَرِ الهِمَّةِ، وشِدَّةِ الصَّبْرِ والاحْتِمَالِ، وقِلَّةِ المُبَالاةِ بالمَصَائِبِ، وعَدَمِ الاكْتِرَاثِ لَهَا، فإِذَا ظَفَرُوا وغَلَبُوا لَمْ يَظْهَرْ عَلَيْهم فَرَحٌ، وإِذَا غُلِبُوا لَمْ يَجْزَعُوا ولَمْ يَعُرَّهُم هَلَعٌ ولا رَجْفَةٌ. والمَجَازِيعُ: جَمْعُ مِجْزَاعٍ، وهو الذي يَكْثُرُ مِنْهُ الجَزَعُ.
لا يَقَعُ الطَّعْنُ إِلاَّ في نُحُورِهُمُ ... وَمَا لَهُمْ عَنْ حِياضِ المَوْتِ تَهْلِيلُ
هَذَا يَتَّصِلُ بِمَا سَبَقَ فِي تَكْمِيلِ شَجَاعَتِهِم، وهو أَنَّهُم لا يُولُّونَ الأَدْبارَ فَلا يَنَالُ عُدُوُّهُم مِنْهم إلاَّ نُحورَهُم، وما لهم عن حِياضِ الموتِ نُكُوصٌ ولا تَأَخُّرٌ، أي: لا يَنْهَزِمُونَ أَصْلًا، فكَيْفَ يَصِلُ الطَّعْنُ إِلَى ظُهُورِهِم. يُقَالُ هَلَّلَ عَنْ كَذَا: إِذَا تَأَخَّرَ عَنْهُ. والمَوْتُ يُسْتَعَارُ لَهُ الحَوْضُ، والكَأْسُ، والمشرعُ، والمَنْهَلُ، فإِنَّ النَّاسَ يَشْرَبُونَهُ، ويَرِدُونَهُ، ويَذُوقُونَهُ، ويَتَجَرَّعُونَه.
يَمْشُونَ مَشْيَ الجِمَالِ الزُّهْرِ يَعْصِمُهُم ضَرْبٌ إِذَا عَرَّدَ السُّودُ التَّنَابِيلُ
يَصِفُهُم بامْتِدَادِ القَامَاتِ، وعِظَمِ الخَلْقِ، وبَيَاضِ البَشَرَةِ والرِّفْقِ فِي المَشْيِ، وتَجَنُّبِ السُّرْعَةِ الدَّالَّةِ عَلَى الهَوَجِ والطَّيْشِ، وهذه المِشْيَةُ تَدُلُّ عَلَى الوَقَارِ والسُّؤْدَدِ، وهِيَ مِشْيَةُ الرُّؤَسَاءِ والسَّادَاتِ. والزُّهْرِ: جَمْعُ أَزْهَرَ وهو الأَبْيَضُ. يَعْنِي أَنَّهم سَادَاتٌ لا عَبِيدٌ, ولا مِن الأَعْرَابِ والأَطْرَافِ، فإِنَّ سَادَاتَ مَكَّةَ الغَالِبُ عَلَيْهِم اللَّوْنُ الأَزْهَرُ. و"مَشْيَ الجِمَالِ"صِفَةُ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ. ويَعْصِمُهُم ضَرْبٌ: يَمْنَعُهُم ويَحْمِيهِم، مِن قَوْلِه سُبحانَهُ وتعالَى: {سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ المَاءِ} . أي: يَمْنَعُنِي. وعَرَّدَ وهَلَّلَ وفَرَّ بِمَعْنًى. والسُّودُ: جَمْعُ أَسْوَدَ. والتَّنَابِيلُ: جَمْعُ تِنْبَالٍ. وهو القَصِيرُ وهو أَحَدُ مَا جَاءَ عَلَى تِفْعَالٍ كالتِّقْصَارِ.
وقَوْلُه"يَعْصِمُهُم"فِي مَوْضِعِ النَّصْبِ عَلَى الحَالِ. ومَعْنَى يَعْصِمُهُم ضَرْبٌ: يَحْمِيهِم ضَرْبُهُم أَعْدَاءَهُم أي: ضَرْبُهُم يَكُفُّ الأَعْدَاءَ عَنْهُم، وهم في تلك الحَالِ يَتَهادَوْنُ ولا تَطِيشُ أَحْلامُهم.
وَلا وَصْفَ بالشَّجَاعَةِ أَكْمَلُ مِن أَنْ يَمْشُوا فِي الحَرْبِ رُوَيْدًا، ويَضْرِبُوا الأَعْنَاقَ بِلا طَيْشٍ ولا خُرْقٍ، بَلْ مَعَ وَقَارٍ، وثُبُوتِ جَأْشٍ، ورَزَانَةِ حصاةٍ، وحُضُورِ رَوِيَّةٍ، وأَنَاةٍ، ومَعْرِفَةٍ بمواقعِ الطَّعْنِ والضَّرْبِ، وجَوْدَةٍ بحُسْنِ المُخَاتَلَةِ وانْتِهَازِ الفُرْصَةِ، ولطافَةِ المتاقاتِ والمُحَاذَرَةِ.
بهذا القَدْرِ كَافٍ، واللَّهُ -سبحانه- كَافِيكَ، وخَاطِرُكَ غَارِمٌ مَا فَاتَ خَاطِرِي، وعِلْمُكَ مُسْتَدْرِكٌ مَا فَاتَ فِيهِ قَلَمِي، وبإِحْسَانِكَ تَشْكُرُ عُجَالَتِي، وبرَوِيَّتِكَ تُفَصِّلُ مَا أَجْمَلَتْهُ بدَاهَتِي. فأَعْذَبُ قَوْلِي مَا سَمَحَتْ بِهِ المَلَكَةُ رَهْوًا، وجَاءَتِ القَرِيحَةُ بِهِ سَهْوًا، وخَلِيَ عَنْ بشَاشَةِ التَّصَنُّعِ، وسَمَاجَةِ السَّرْقِ والتَّتَبُّعِ، وبَعُدَ عَن غُنَّةِ المُتَعاطِي وقُصُورِ المتطاولِ، وتَرَفَّعَ عن لُكْنَةِ المُتَفَاصِحِ وهَجْنَةِ المُتَشَادِقِ، وتَنَزَّهَ عَنْ تَرْقِيعِ الخَلِقِ، وتَلْفِيقِ غَيْرِ مُتَّفِقٍ، أعاذنا اللَّهُ وإِيَّاكَ مِن كَلامٍ الصَّمْتُ مِنْهُ أَسْلَمُ، ومن نُطقٍ الخَرَسُ منه أَفْضَلُ. والحَمْدُ للَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ، وصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ المُؤَرَّخُ بِهِجْرَتِه، المُخْتَتَمُ بدَعْوَتِه، وعَلَى آلِهِ وعِتْرَتِه. انْتَهَى
وإِنْ تَجِدْ عَيْبًا فسُدَّ الخَللاَ ... [قَدْ] جَلَّ مَن لا عَيْبَ فِيهِ وعَلاَ