العِتْقُ. ووَصَفَهَا بسُهُولَةِ الخَدَّيْنِ، وذَلِكَ حَسَنٌ في الإِبِلِ والخَيْلِ والنَّاسِ, يَدُلُّ علَى كَرَمِ الطِّبَاعِ, وضِدُّهَا الكَلْثَمَةُ وهو مَذْمُومٌ."ووَجْنَاءُ"صِفَةٌ أَيْضًا لـ عُذَافِرَةٌ، وكذَلِكَ قَوْلُه:"في حُرَّتَيْهَا عِتْقٌ". وقَوْلُه:"للبَصِيرِ بِهَا". يَعْنِي للخَبِيرِ الذي له بَصَارَةٌ في الإِبِلِ ومَعْرِفَةٌ بالجَيِّدِ مِنْهَا والرَّدِيءِ. وقَوْلُه:"عِتْقٌ مُبِينٌ"أي: كَرَمٌ ظَاهِرٌ، وكذَلِكَ قَوْلُه:"وفي الخَدَّيْنِ تَسْهِيلُ". رَوَى السُّكَّرِيُّ أنَّ النَّبِيَّ - صلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - لَمَّا سَمِعَ هَذَا البَيْتَ قَالَ لأَصْحَابِهِ: مَا حُرَّتَاهَا؟ فَقَالَ بَعْضُهم: العَيْنَانِ. وسَكَتَ بَعْضُهُم. فَقَالَ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - هُمَا أُذُنَاهَا نَسَبَهُمَا إِلَى الكَرَمِ.
تَخْدِى عَلَى يَسَراتٍ وَهْيَ لاهِيَةٌ ... ذَوَابِلٌ وَقْعُهُنَّ الأَرْضَ تَحْلِيلُ
تَخْدِي: تُسْرِعُ، يُقَالُ: خَدَّتِ النَّاقَةُ تَخْدِي ووَخَدَتْ وَخَدَانًا وخَوَّدَتْ تَخْوِيدًا كُلُّه بِمَعْنًى. وهذا قَدِ اسْتُعْمِلَ فيهِ التَّقالِيبُ الثَّلاثَةُ بمَعْنًى وَاحِدٍ. واليَسَرَاتُ: القَوَائِمُ الخِفَافُ. ودَابَّةٌ حَسَنَةُ السَّيْرِ: إِذَا كَانَتْ تُحْسِنُ نَقْلَ القَوَائِمَ. وقَوْلُه:"وَهْيَ لاهِيَةٌ"جُمْلَةٌ في مَوْضِعِ الحَالِ مِن الضَّمِيرِ فِي"تَخْدِي". واللاهِيَةُ: الغَافِلَةُ، أي: تُسْرِعُ مِن غَيْرِ اكْتِرَاثٍ, بَلْ ذَلِكَ لَهَا سَجِيَّةٌ. والذَّوَابِلُ مِن صِفَاتِ"يَسَراتٍ"ومَعْنَاهَا الضَّوَامِرُ. يُقَالُ: ذَبُلَ الفَرَسُ إِذَا ضَمُرَ، أي: قَوَائِمُهَا صَلْبَةٌ ضَامِرَةٌ قَلِيلَةُ اللَّحْمِ يَابِسَةٌ لا رَهْلَةٌ مُسْتَرْخِيَةٌ، وذَلِكَ أَسْرَعُ لَهَا. وقَوْلُه:"وقْعُهُنَّ الأَرْضَ تَحْلِيلُ". مَعْنَاهُ: إِنَّما يَنَالُ الأَرْضَ مِن قَوَائِمِهَا أَيْسَرُ شَيْءٍ، لخِفَّةِ رَجْعِهِنَّ فيَنْفُخْنَ الأَرْضَ نَفْخَةً خَفِيفَةً ثُمَّ يَرْتَفِعْنَ، وهَذَا أَبْلَغُ سَبَبٍ فِي سُرْعَةِ المَشْيِ. كأَنَّه يَقُولُ: إِنَّما يَنَالُ الأَرْضَ مِن قَوَائِمِهَا مِقْدَارُ مَا تُحِلُّ بِهِ القَسَمَ، كَمَا يَحْلِفُ الرَّجُلُ عَلَى الشَّيْءِ يَفْعَلُه، فيَفْعَلُ مِنْهُ اليَسِيرَ ليُحَلِّلَ بِهِ يَمِينَهُ. والتَّحْلِيلُ مَصْدَرُ حَلَّلْتُهُ تَحْلِيلًا وتَحِلَّةً, مِثْلَ غَرَّرَ تَغْرِيرًا وتَغِرَّةً. وقَوْلُهم"لَمْ أَفْعَلْ إِلاَّ تَحِلَّةَ القَسَمِ". أي: لَمْ أَفْعَلْ إِلاَّ بِمْقَدارِ مَا حَلَلْتُ بِهِ يَمِينِي ولَمْ أُبَالِغْ. وفِي الحَدِيثِ: (( لا يَمُوتُ للمُؤْمِنِ ثَلاثَةُ أَوْلادٍ فتَمَسَّهُ النَّارُ إِلاَّ تَحِلَّةَ القَسَمِ". أي: قَدْرَ مَا يُبْرِئُ اللَّهُ - تعالى- به قَسَمَهُ بقَوْلِه: {وإِنْ مِنْكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا} ، ثُمَّ كَثُرَ حَتَّى قِيلَ فِي كُلِّ شَيْءٍ لَمْ يُبَالَغْ فِيهِ. فجَعَلَهُ تَحْلِيلًا وتَحِلَّةَ القَسَمِ."