«إن من البيان لسحرا»
«حديث شريف»
بسم الله الرحمن الرحيم
من زينة الدارين ذات القدر العلي والشأن الرفيع، حمد الله الميسر لأرباب الحجا إيضاح المعاني ببيان بديع، فسبحانه من حكيم دبر أمور عباده على طبق مقتضى الحال، وتلاشى دون إحصاء نعمه لسان التفصيل والإجمال. والصلاة والسلام على أشرف من تحلى بحقائق العلوم والمعارف، وأجل من حاز دقائق الأسرار واللطائف سيدنا محمد المنتخب من خلاصة أعلى الأماجد، المؤيد بكتاب حاز من أسرار البلاغة أنهى المطالب وأجل المقاصد. وعلى آله وأصحابه الذين بهم تلألأ غرة الحق وأشرق وجه الدين، واضمحل دجى الباطل ولمع نور اليقين.
وبعد: فأقول وأنا العبد البالغ من الضعف منتهاه، والذليل الحزين الذي غدا أسير ذنوبه وخطاياه، المعتمد على القريب المجيب، المنسوب [لمنية ابن خصيب] المتضرع في زوال كربته لمولاه القوي، أفقر العباد إلى رحمته [مخلوف بن محمد البدوي] هداه الله سواء الطريق، وأذاقه حلاوة التحقيق.
إن أرفع معارج كمالات نوع الإنسان، هو التحلي بأصناف العلوم وأنواع العرفان، على ما أجمع عليه الأوائل والأواخر، فهو أشرف ما يوصل الأصاغر لدرجة الأكابر، وإن فن البلاغة من بينها محتوٍ على أسباب النجاح، ومنطوٍ على قواعد الفلاح، إذ غايته نيل السعادة العظمى من معرفة إعجاز القرآن، والوصول إلى الدولة الكبرى من تمام الإذعان بنبوة سيد الأكوان.
وقد صنفت فيه كتب ترتاح لمطالعتها الأرواح وتقر بها العيون. منها نظم الإمام الأخضري المسمى:
بالجوهر المكنون
فإنه مشتمل على غالب قواعد التلخيص، ومحتوٍ على جواهر تامة الجمال بديعة التخليص، وقد شرحه جماعة من الأعلام، الذين بهم يكشف عن القلب الظلام، ومن أنفس شراحه وأحسنها تحريرًا، شرح الإمام الذي نال قدرا عاليا وفضلا شهيرا، من تحقق في عد محاسنه عجزي وقصوري الفاضل العلامة الشيخ [أحمد الدمنهوري] فإنه كتاب يعترف بسمو منزلته الماهرون، ويذعن بغاية حسنه المتأملون:
در بديع تناهى في محاسنه = يميل ناظره من حسنه طربا
عقوده الأسطر الحسنى والتي جمعت = من خير ما فيه من يبغي العلا رغبا
وإني مذ رأيته بهذا الوصف الجميل وعلمت أن له من القدر ما هو سام جليل، أحببت أن أخدمه بما يكشف اللثام عن وجوه مخدراته، وينبه على ما وقع له فيه نفعنا الله تعالى ببركاته، فانتخبت له حواشي شريفة مشتملة على تحقيقات منيفة تقر بها عين المنصفين ويحترق بها قلب الحاسدين أودعتها من حسان المسائل ما يشهد بكمال حسنه ذوو البصائر ومن عرائس بنات فكري ما ينجذب إليه القلب ويميل إليه الخاطر سالكا فيها سبيل الإيجاز لا للغاية مقتصرا على ما به تمام اتضاح الشرح مما فيه لأمثالي من القاصرين كفاية، وحيث أطلقت الصبان كنت عازيا لما كتبه علي السعد، وحيث قلت ابن يعقوب كنت عازيا لشرحه على هذا الكتاب، واليعقوبي كنت عازيا لشرحه على الأصل، والحاشيتين فمرادي ما كتبه الصبان وحاشية الدسوقي على السعد، وبعض الشراح فمرادي شرح الشيخ علي الغزي على هذا المتن، والسيوطي كنت عازيا لشرحه على ألفيته عقود الجمان، والسعد كنت عازيا لمختصره هذا ما وجدته