وقالَ الشاعرُ:
فَقُلْتُ لَهُم ظُنُّوا بأَلْفَيْ مُدَجَّجٍ
أَي: أَيْقِنُوا.
وعن الخليلِ بنِ أحمدَ أنَّهُ قالَ: الظَّنُّ شَكٌّ ويَقينٌ.
وقد اصْطَلَحَ أربابُ الكلامِ والأصولِ على إطلاقِ الظنِّ على أَمْرٍ يُغايِرُ الشكَّ واليقينَ، وهوَ الطَّرَفُ الراجِحُ مِن الاحتمالَيْنِ، كاحتمالِ وُقوعِ المطَرِ واحتمالِ عَدَمِ وُقوعِهِ في زَمَنِ الشتاءِ، عندَ وُجودِ قَرينةِ الغَيْمِ وهُبوبِ الرياحِ؛ فإنَّ الراجِحَ مِنْ هَذيْنِ الاحتمالَيْنِ وُقوعُ الْمَطَرِ فهوَ ظَنٌّ، والطَّرَفُ المرجوحُ المقابِلُ لهُ يُسَمَّى وَهْمًا. وقولُهُ في الكتابِ: (الظنُّ تَجويزُ أَمرَيْنِ ... إلى آخِرِهِ) ، هوَ رسْمٌ مَدخولٌ؛ فإنَّ الظنَّ ليسَ هوَ نفسَ التجويزِ، وإنَّما هوَ الراجحُ مِن الْمُجَوَّزَيْنِ.
(والشَّكُّ تَجويزُ أَمرَيْنِ لا مَزِيَّةَ لأحَدِهما على الآخَرِ) .
هذا رَسْمُ الشَّكِّ في عُرْفِ أهلِ الكلامِ والأصولِ، وأمَّا في اللغةِ فقد استُعْمِلَ الشكُّ بمعنى الظَّنِّ. والغرَضُ مِنْ تَمييزِ الظنِّ عن الشكِّ، وتَمييزِهما عن الوَهْمِ، ضَبْطُ الأقسامِ المُضَادَّةِ للعِلْمِ، وهيَ الظنُّ والوَهْمُ والشكُّ والاعتقادُ.
ولَمَّا ذَكَرَ معنى الأصولِ ومعنى الفِقْهِ، ومعنى الأشياءِ التي يُحتاجُ إلى تَصَوُّرِها في هذا الفَنِّ مِن العلْمِ والظنِّ والشكِّ والنظَرِ والدليلِ، أَخَذَ في بيانِ المُرَادِ بقولِنا: أُصُولُ الفقهِ؛ فإنَّ التركيبَ الإضافيَّ يُفيدُ نِسبةً بينَ المضافِ والمضافِ إليهِ، لا تُعْلَمُ إلَّا بمعرِفَةِ كلِّ واحدٍ منهما مُفْرَدًا، فإنَّ مَنْ عَرَفَ أنَّ زيدًا مَثَلًا عَلَمٌ لشخصٍ مُعَيَّنٍ، وعَرَفَ مَعْنَى القميصِ مَثَلًا، لا يَعْلَمُ نِسبةَ القميصِ إلى زيدٍ إلَّا بقولِنا: قَمِيصُ زيدٍ، أو القميصُ لزيدٍ. وكذلكَ مَنْ عَرَفَ مَعنى الأصلِ ومعنى الفِقْهِ، لا يَعلمُ ما المرادُ بأُصُولِ الفقهِ حتَّى نَشْرَحَ لهُ معنى قولِنا: أُصُولُ الفقهِ. وذلكَ قولُهُ:
(وأُصُولُ الفِقهِ طُرُقُهُ على سبيلِ الإجمالِ) .
أَيْ: أصولُ الفِقهِ هيَ الطُّرُقُ الْمُفْضِيَةُ إلى الفِقهِ بطريقِ الإِجْمَالِ. احْتَرَزَ بالإجمالِ عن المذْهَبِ والخِلافِ؛ فإنَّ هَذَيْنِ الفَنَّيْنِ كلُّ واحدٍ منهما يَشتمِلُ على طُرُقِ الفِقهِ، ولكنْ على سَبيلِ التفصيلِ. والمرادُ بالطُّرُقِ الأَدِلَّةُ التي بها يُتَوَصَّلُ إلى إثباتِ الأحكامِ، كالأخبارِ والإِجْمَاعِ والقِياسِ. ويَتْبَعُ أدِلَّةَ الفِقهِ كَيفيَّةُ الاستدلالِ بها، وذلكَ كتقديمِ الخاصِّ على العامِّ، وحَمْلِ المُطْلَقِ على الْمُقَيَّدِ، والنظَرِ في التعارُضِ. والكلامُ في كَيفيَّةِ الاستدلالِ يَجُرُّ إلى بيانِ حالِ المُجْتَهِدِ والمُقَلِّدِ. فهذا بيانُ ما تَشتمِلُ عليهِ أُصُولُ الفقهِ على سبيلِ الإجمالِ، وهوَ طُرُقُ الفِقهِ وكيفيَّةُ استعمالِها وبيانُ حالِ مَنْ يَصِحُّ منهُ استعمالُها. ولَمَّا بَيَّنَ معنى قولِنا: أُصُولُ الفقهِ، أَخَذَ في عَدِّ أبوابِ الفِقْهِ، فقالَ:
(وأبوابُ أُصُولِ الفقهِ:"أقسامُ الكلامِ"،"والأمرُ"، و"النهيُ"و"العامُّ"و"الخاصُّ"و"المجمَلُ"و"الْمُبَيَّنُ"و"الظاهرُ"و"المُؤَوَّلُ"و"الأفعالُ"و"الناسخُ والمنسوخُ"و"الإجماعُ"و"الأَخْبَارُ"و"القِياسُ"و"الْحَظْرُ"و"الإباحةُ"و"ترتيبُ الأَدِلَّةِ"و"صِفةُ الْمُفْتِي والمُسْتَفْتِي وأحكامُ المجتَهِدِينَ") .
فَعَدَّ أبوابَ أصولِ الفِقهِ التي منها تَتَفَرَّعُ مَسائلُ هذا العلْمِ.
(فأمَّا أقسامُ الكلامِ فأَقَلُّ ما تَرَكَّبَ منهُ الكلامُ اسمانِ، أو اسمٌ وفِعْلٌ، أوْ فِعْلٌ وحَرفٌ، أو اسمٌ وحَرْفٌ) .