الصفحة 10 من 53

أرادَ بأقسامِ الكلامِ أقسامَ ما يَتَرَكَّبُ منهُ الكلامُ، وقدْ أَطْلَقَ هذا الاستعمالَ جماعةٌ مِن النُّحَاةِ. والتركيبُ مِن اسمَيْنِ مُتَّفَقٌ عليهِ، مِثالُهُ: زيدٌ قائمٌ، وقائمٌ زيدٌ. وكذلكَ التركيبُ مِن اسمٍ وفعْلٍ، مِثْلُ: قامَ زيدٌ، وزيدٌ يَقومُ. وأمَّا التركيبُ مِنْ فِعلٍ وحرفٍ، فالأكثرونَ على إنكارِهِ، وقدْ مَثَّلَ التركيبَ مِنْ فِعلٍ وحرفٍ بعضُ مَن ادَّعاهُ بقولِ القائلِ: لمْ يَقُمْ، وما قامَ. وفي هذا التمثيلِ نَظَرٌ؛ فإنَّ الجملةَ ليستْ مُرَكَّبَةً مِن الفعلِ والحرفِ، وإنَّما هيَ مِن الفعلِ والضميرِ فيهِ؛ فإنَّ التقديرَ: لم يَقُمْ هوَ، وما قامَ هوَ. والتركيبُ مِنْ حرفٍ واسمٍ في النداءِ في قَوْلِكَ: يا زَيْدُ. ذَكَرَهُ الْجُرْجَانِيُّ، وأكثرُ النُّحاةِ قالُوا: إنَّما كانَ يا زيدُ كلامًا؛ لأنَّ تقديرَهُ: أَدْعُو زيدًا، أوْ أُنَادِي زَيدًا. والغرَضُ مِنْ هذا بيانُ أقسامِ الْجُمَلِ، والمقصودُ منهُ مَعرِفَةُ المفْرَدِ مِن الْمُرَكَّبِ؛ فلذلكَ لا يُؤَاخَذُ الفُقهاءُ فيهِ بالتحقيقِ الذي يَسْلُكُهُ أهلُ النَّحْوِ.

(الكلامُ يَنقسِمُ إلى أَمْرٍ ونَهْيٍ وخَبَرٍ واستخبارٍ) .

هذهِ الأقسامُ لحقيقةِ الكلامِ؛ لأنَّ الكلامَ بمعنى الْجُملةِ يُقَالُ على جميعِ هذهِ الأقسامِ. وبيانُ انقسامِ الكلامِ إلى هذهِ الأقسامِ أنَّ الكلامَ إمَّا أنْ يُفيدَ الطلَبَ إفادةً أَوَّلِيَّةً، وإمَّا أنْ لا يُفيدَ ذلكَ، والأوَّلُ إمَّا أنْ يكونَ المطلوبُ بهِ الفعلَ أو الترْكَ أو الإعلامَ، والأوَّلُ الأمرُ، والثاني النهْيُ، والثالثُ الاستفهامُ وهوَ الاستخبارُ.

والقِسْمُ الثاني مِنْ أصلِ التقسيمِ: ما لا يُفِيدُ الطلَبَ، وهوَ إمَّا أنْ يَحْتَمِلَ الصدْقَ والكَذِبَ [أوْ لا، فإنْ كانَ يَحْتَمِلُ الصدْقَ والكَذِبَ] فهوَ الخبَرُ، وإنْ لمْ يَحتملْ فهوَ التنبيهُ. والمرادُ بالتنبيهِ سائرُ أنواعِ الجُمَلِ مِن التَّمَنِّي [والترَجِّي] والعَرْضِ والنداءِ والقَسَمِ. وهذا القِسْمُ أَسْقَطَهُ في الكتابِ؛ لأنَّ غَرَضَ الأُصُولِيِّ لا يَعْظُمُ تَعَلُّقُهُ بهِ، بخِلافِ الأقسامِ التي ذَكَرَها. ومِثالُ الأمرِ: افْعَلْ، والنهيِ: لا تَفعلْ، والاستفهامِ وهوَ الاستخبارُ: هلْ قامَ زيدٌ؟ وأَخْبِرْنِي عن الإنسانِ ما هوَ؟ ومِثالُ الخبَرِ: قامَ زيدٌ، ما قامَ زيدٌ. ومِثالُ التَّمَنِّي: يَا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ [فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا] [ومِثالُ الترَجِّي: لعلَّ اللَّهَ يَغْفِرُ لي] ، ومِثالُ العَرْضِ: أَلا تَنْزِلُ عِنْدَنَا فتُصِيبَ خَيْرًا، ومِثالُ النداءِ: يا زيدُ، ومِثالُ القسَمِ: واللَّهِ لتَفْعَلَنَّ.

(ومِنْ وَجْهٍ آخَرَ إلى حقيقةٍ ومَجازٍ. فالحقيقةُ ما بَقِيَ على مَوضوعِهِ، وقيلَ: ما استُعْمِلَ فيما اصْطُلِحَ عليهِ مِن المُخَاطِبَةِ) .

الحقيقةُ فَعِيلَةٌ مِن الْحَقِّ، وأَصْلُها في كلامِ العرَبِ ما يَجِبُ حِفْظُهُ والمحاماةُ عنهُ، قالَ الشاعرُ:

يَحْمِي حَقِيقتَنَا وبعضُ القومِ يَسْقُطُ بينَ بَيْنَا

وقالَ آخَرُ: حامِي الحقيقةِ

ثمَّ استُعْمِلَ لفظُ الحقيقةِ في الاصطلاحِ العلْمِيِّ في مَوضوعِ اللفظِ الأوَّلِ؛ لأنَّهُ يَجِبُ مُراعاتُهُ والحمْلُ عليهِ إلَّا لِمَانِعٍ. والدليلُ على انقسامِ الكلامِ إلى حقيقةٍ ومَجازٍ، أنَّ اللفظَ إِمَّا أنْ يُستعمَلَ في مَوضوعِهِ الأوَّلِ أوْ لا، والأوَّلُ الحقيقةُ والثاني الْمَجازُ. والدليلُ على وُجودِ المجازِ اسْتِقْرَاءُ كلامِ العربِ؛ فإنَّهُم استَعْمَلوا لفظَ الأسدِ الموضوعَ للحيوانِ المفتَرِسِ في الرجُلِ الشجاعِ، ولفظَ البحرِ الموضوعَ للماءِ الكثيرِ المُجْتَمِعِ في الرجُلِ الجَوَادِ، وعَبَّرُوا بالظَّبْيَةِ عن المرأةِ، وأمثالُ ذلكَ في كلامِهم كثيرٌ. وإذا ثَبَتَ وُجودُ المجازِ صَحَّ انقسامُ الكلامِ إلى حقيقةٍ ومَجازٍ. وذَكَرَ للحقيقةِ رَسمَيْنِ مَبْنِيَّيْنِ على مَذهبَيْنِ؛ فإنَّ أهلَ هذا الشأنِ اختَلَفُوا في وُجودِ حقيقةٍ غيرِ اللُّغَوِيَّةِ، فمَنْ أَنْكَرَ ما سِوَاهَا قالَ: الحقيقةُ ما بَقِيَ على مَوضوعِهِ. فعندَهُ أنَّ الألفاظَ الشرعيَّةَ كالصلاةِ والحَجِّ ونحوِهما، والعُرْفِيَّةَ كلفظِ الدَّابَّةِ، مَجازٌ مِن الحقائقِ اللُّغَوِيَّةِ. ومنهم مَنْ جَعَلَ الألفاظَ الشرعيَّةَ حقائقَ باعتبارِ اصطلاحِ الشرْعِ، وكذلكَ الألفاظُ العُرْفِيَّةُ، فقالَ: الحقيقةُ ما استُعْمِلَ فيما اصْطُلِحَ عليهِ مِن المُخَاطِبَةِ؛ لِيَعُمَّ الاصطلاحَ الشرعيَّ والعُرْفِيَّ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت