فهرس الكتاب

الصفحة 69 من 128

صفحة 83

وفي بحر الكلام: والاستثناء في أصل الإيمان غير صحيح عند أبي حنيفة وأصحابه رضي الله عنهم لأن الاستثناء يرفع جميع العقود نحو الطلاق والعتاق والبيع فكذلك يرفع عقد الإيمان والاستثناء قوله: أنا مؤمن إن شاء الله، لأن هذا الاستثناء شك، والشك في أصل الإيمان كفر وضلالة، ولذا لو قال الكافر: أنا مؤمن إن شاء الله لا يصير مؤمنًا، وكذا لو وقف وقال: آمنت بالله ورسوله إلى ألف سنة لا يصير مؤمنًا، ولو قال: أكون مؤمنًا غدًا إن شاء الله أو أموت مؤمنًا إن شاء الله أو يكون إيماني مقبولًا إن شاء الله يكون مستحسنًا، لأن هذا الاستثناء في الدوام والثبات والقبول لا في أصل الإيمان، وقال السعد في شرح العقائد [4] عند قول النسفي: وإذا وُجد من العبد التصديقُ والإقرارُ صح له أن يقول: أنا مؤمن حقًا لتحقق الإيمان، ولا ينبغي أن يقول: أنا مؤمن إن شاء الله، لأنه إن كان للشك فهو كفر لا محالة، وإن كان للتأدب وإحالة الأمور إلى مشيئة الله تعالى أو للشك في العاقبة والمآل لا في الآن والحال، أو للتبرك بذكر الله تعالى أو للتبري عن تزكية نفسه والإعجاب بحاله فالأولى تركُه لما أنه يوهم الشك، ولهذا قال: ولا ينبغي، دون أن يقول ولا يجوز لأنه إذا لم يكن للشك فلا معنى لنفي الجواز، كيف وقد ذهب إليه كثير من السلف حتى الصحابة والتابعين رضي الله عنهم أجمعين، وليس هذا مثل قولك أنا شاب إن شاء الله لأن الشباب ليس من الأفعال المكتسبة ولا مما يتصور البقاء عليه في العاقبة والمآل، ولا مما تحصل به تزكية النفس والإعجاب، بل مثل قولك: أنا زاهد متق إن شاء الله.

وذهب بعض المحققين إلى أن الحاصل للعبد هو حقيقةُ التصديق الذي به يخرج عن الكفر، لكن التصديق بنفسه قابل للشدة والضعف، وحصولُ التصديق الكامل المنجي المشار إليه بقوله تعالى: أُولَ

ئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا

لَّهُمْ دَرَجَاتٌ [الأنفال: 4] الآية، إنما هو في مشيئة الله تعالى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت