فائدةٌ ثانيَةٌ: ما تَقَدَّمَ فيما إذا كانَ المفقودُ وَارِثًا، فإنْ كانَ مَوْرُوثًا فَحُكْمُهُ أنْ يُوقَفَ مَالُهُ جَمِيعُهُ إلى ثُبُوتِ مَوْتِهِ ببَيِّنَةٍ، أَوْ حُكْمِ القاضي بمَوْتِهِ اجتهادًا عندَ مُضِيِّ مُدَّةٍ لا يَعِيشُ مِثْلُهُ إليها في غالبِ العَادَةِ.
والمشهورُ عندنا: لا تُقَدَّرُ تلكَ المُدَّةُ، بل المُعْتَبَرُ غَلَبَةُ الظَّنِّ باجتهادِ الحاكمِ. وهذا هوَ المشهورُ عندَ مالكٍ وأبى حَنِيفَةَ رَحِمَهُما اللَّهُ.
وقيلَ: تُقَدَّرُ بِسَبْعِينَ. نَقَلَهُ الوَنِّيُّ عن ابنِ عبدِ الحكيمِ.
وحكى ابنُ الحاجِبِ رَحِمَهُ اللَّهُ فيهِ ثلاثةَ أقوالٍ أُخَرَ: ثمانينَ، وتسعينَ، ومائةً.
وفي روايَةٍ عنْ أَبِي حنيفةَ رَحِمَهُ اللَّهُ تعالى: تُقَدَّرُ بتسعينَ سنةً. وفي روايَةٍ أُخْرَى عنهُ أيضًا: بمائةٍ وعشرينَ سنةً. ومَهْمَا قيلَ من المُدَّةِ، فَمِنْ ولادَتِهِ لا منْ فَقْدِهِ. وفَرَّقَ الإمامُ أحمدُ رَحِمَهُ اللَّهُ بينَ مَنْ يُرْجَى رُجُوعُهُ بأنْ كانَ الغالبُ على سَفَرِهِ السلامةُ، كما إذا سافرَ لتجارةٍ أوْ نُزْهَةٍ، فَيُوقَفُ مَالُهُ ويُنْتَظَرُ بهِ تمامَ تسعينَ سنةً، وإنْ كانَ لا يُرْجَى رُجُوعُهُ [إِنْ كانَ الغالبُ على سفَرِهِ الهلاكُ كما إذا كانَ في سفينةٍ فانْكَسَرَتْ، أوْ قَاتَلُوا عَدُوًّا ولمْ يُعْلَمْ مَنْ هلكَ مِمَّنْ نَجَا، أوْ خرجَ منْ بَيْنِ أهْلِهِ فَفُقِدَ، فإذا مَضَى أربعُ سنينَ قُسِمَ مَالُهُ بينَ ورَثَتِهِ حينَئِذٍ، واللَّهُ أَعْلَمُ.
ولمَّا أنْهَى الكلامَ على المفقودِ شرعَ في الحَمْلِ فقالَ:
(بابُ الحَمْلِ)
وهكذا حُكْمُ ذَوَاتِ الحَمْلِ فَابْنِ على اليَقِينِ أوِ الأَقَلِّ
(وهكذا حُكْمُ) حَمْلِ (ذَوَاتِ) ؛ أيْ: صاحباتِ، (الحمْلِ) الذي يَرِثُ أوْ يَحْجُبُ ولوْ ببعضِ التقاديرِ، فَيُعَامَلُ الورثةُ المَوْجُودُونَ بالأضرِّ منْ وُجُودِهِ وعدَمِهِ، وذُكُورَتِهِ وأُنُوثَتِهِ، وانفرَادِهِ وتَعَدُّدِهِ. ويُوقِفُ المشكوكُ فيهِ الوضعَ للحَمْلِ كُلِّهِ حيًّا حياةً مستقرَّةً، أوْ بيانَ الحالِ+؛ فلذلكَ قالَ المُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ:
(فابْنِ) عَمَلَكَ في القسمةِ من الورثةِ الموجودِينَ إنْ لمْ يَصْبِرُوا، وطَلَبُوا أوْ بعْضُهُم القَسْمَ قبلَ الوضعِ (على اليقينِ والأقَلِّ) ، فَمَنْ يُحْجَبُ ولوْ ببعضِ التقاديرِ لا يُعْطَى شيئًا، ومَنْ لا يَخْتَلِفُ نَصِيبُهُ دُفِعَ إليهِ، ومَنْ يَخْتَلِفُ نصيبُهُ وهوَ مُقَدَّرٌ أُعْطِيَ الأقلَّ، وإنْ كانَ غيرَ مُقَدَّرٍ فلا يُعْطَى شيئًا. فَعَلَى هذا لا يُعْطَى أَخُو الحَمْلِ شيئًا؛ لأنَّهُ لا ضَبْطَ لعددِ الحملِ عنْدَنا على الأصحِّ. وقيلَ: يُقَدَّرُ أربعةً، ويُعَامَلُ بَقِيَّةُ الورثةِ بالأضرِّ، بتقديرِ الأربعةِ ذُكُورًا أوْ إناثًا. وهوَ قولُ أبي حنيفةَ وأَشْهَبَ رَحِمَهُما اللَّهُ، ورَجَّحَهُ بعضُ المالكيَّةِ رَحِمَهُم اللَّهُ.
ومن العلماءِ مَنْ يُقَدِّرُ الحملَ باثنيْنِ ويُعَامِلُ الورثةَ بالأضرِّ بتقديرِ الذكورةِ فيهما، أوْ في أَحَدِهِما، والأنوثةِ. وهوَ مذهبُ الحَنابِلَةِ ومُحَمَّدٍ واللُّؤْلُؤِيِّ رَحِمَهُم اللَّهُ.
ومن العلماءِ مَنْ يُقَدِّرُ الحملَ واحدًا؛ لأنَّهُ الغالبُ، ويُعَامِلُ الورثةَ بالأضرِّ منْ تَقْدِيرَيْ ذُكورتِهِ وأُنُوثَتِهِ. وهوَ قولُ اللَّيْثِ بنِ سعدٍ وأبي يُوسفَ، وعليهِ الفَتْوَى الحَنَفِيَّةُ. ويُؤْخَذُ الكفيلُ من الورثةِ.
ثمَّ ما قُلْنَا من القسمةِ قبلَ الوضعِ هوَ المُعْتَمَدُ عندَنا. وقالَ القَفَّالُ رَحِمَهُ اللَّهُ: تُوقَفُ القسمةُ إلى الوضعِ مُطْلَقًا. وهذا هوَ الأرجحُ منْ مذهبِ المالكيَّةِ.
ثمَّ اعْلَمْ أنَّهُ إذا وَضَعَت الحملَ مَيِّتًا بجِنَايَةٍ على أُمِّهِ تُوجَبُ الغُرَّةُ عنهُ فقطْ دُونَ المَوْقُوفِ لأجْلِهِ، فَيَعُودُ لبَقِيَّةِ الورثةِ وكأنَّهُ كالعَدَمِ بالنسبةِ لذلكَ أيضًا.