وأمَّا الطرحُ: فإذا طَرَحْتَ الدالَ من الياءِ بَقِيَ سِتَّةٌ، وهيَ عددُ الفروضِ القُرْآنِيَّةِ، وعددُ الموانعِ. وإذا طَرَحْتَ الدالَ من الزايِ بَقِيَ ثلاثةٌ، وهيَ عددُ الحروفِ، وَتَقَدَّمَ ما فيها. وإذا طَرَحْتَ الزايَ من الياءِ بَقِيَ ثلاثةٌ أيضًا، وَتَقَدَّمَ ما فيها.
وأمَّا الضربُ: فإذا ضَرَبْتَ حُرُوفَهُ وهيَ ثلاثةٌ في نَفْسِهَا تَبْلُغُ تسعةً، وهيَ عددُ أُصولُ المسائلِ على الأرجحِ. وأكثرُ ما ذَكَرْتُهُ عددًا غيرُ ذلكَ، واللَّهُ أَعْلَمُ.
ولْنَرْجِعْ إلى كلامِ المُؤَلِّفِ رَحِمَهُ اللَّهُ تعالَى، فَقَوْلُهُ: (الفَرَضِي) بفتحِ الفاءِ والراءِ: العالِمُ بالفرائضِ، ويُقَالُ لهُ: فَارِضٌ وفَرِيضٌ كعالمٍ وعليمٍ، وفَرَّاضٌ وَفَرْضِيٌّ بسكونِ الراءِ أيضًا. وأجازَ ابنُ الهائمِ رَحِمَهُ اللَّهُ تعالى أنْ يُقَالَ: فَرَائِضِيٌّ أيضًا. وإنْ قالَ جماعةٌ: إنَّهُ خطأٌ.
والفرائضُ: قالَ الجَلالُ المَحَلِّي رَحِمَهُ اللَّهُ تعالَى: جَمْعُ فريضةٍ بمعنى مفروضةٍ؛ أيْ: مُقَدَّرَةٍ؛ لِمَا فيها من السهامِ المُقَدَّرَةِ، فغَلَبَتْ على غَيْرِها، انْتَهَى. أيْ: فَغَلَبَتْ على التعصيبِ وجُعِلَتْ لَقَبًا لهذا العِلْمِ، وسيأتي تَعْرِيفُهُ.
وقولُهُ: (إِذْ كانَ ذاكَ) ؛ أي: المذكورُ من الإبانةِ أوْ تَوَخِّيها (مِنْ أَهَمِّ الغرَضِ) لِمَنْ يُرِيدُ التصنيفَ في علمِ الفرائضِ، فهوَ تعليلٌ لِمَا ذُكِرَ.
قالَ العَلاَّمَةُ سَبْطُ المَارْدِينِيِّ+ رَحِمَهُ اللَّهُ تعالَى: أيْ ونَسْأَلُ اللَّهَ تعالى لنا إِعَانَةً فيما قَصَدْنَاهُ من الإظهارِ والكشفِ عنْ مَذْهَبِ الإِمامِ زيدٍ رَضِيَ اللَّهُ عنهُ؛ لأنَّ هذا منْ أهمِّ القصدِ؛ فَإِنَّهُ لا يَخِيبُ مَنْ قَصَدَهُ. قالَ تعالى: {وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ} الآيَةَ. قالَ بعضُ العلماءِ: لمْ يَأْمُرْ بالمسألةِ إلاَّ لِيُعْطِيَ، انْتَهَى.
وقالَ الإمامُ تاجُ الدِّينِ بنُ عَطَا اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عنهُ: مَتَى وَفَّقَكَ للطَّلَبِ فاعلمْ أنَّهُ يُرِيدُ أنْ يُعْطِيَكَ، انْتَهَى.
عِلْمًا بأنَّ العِلْمَ خيرُ ما سُعِي فِيهِ وأَوْلَى مَا لَهُ العبدُ دُعِي
وقولُهُ: (عِلْمًا) ، منصوبٌ على أنَّهُ مفعولٌ لأَجْلِهِ، وهوَ عِلَّةٌ لقولِهِ: إذْ كانَ ذاكَ منْ أَهَمِّ الغرضِ، أوْ لقولِهِ: تَوَخَّيْنَا؛ أيْ: لأَجْلِ عِلْمِنَا (بأنَّ العِلْمَ) ، وهوَ: حُكْمُ الذِّهْنِ الجازمُ المطابقُ للواقعِ، وهوَ خلافُ الجهلِ. واللَّفُّ فيهِ للاستغراقِ، أو العهدِ الشَّرْعِيِّ، وهوَ علمُ التفسيرِ والحديثِ والفقهِ، ويَلْحَقُ بذلكَ ما كانَ آلَةً لهُ. فَالعِلْمُ منْ
(خَيْرِ ما سُعِي فِيهِ وَ) مِنْ (أَوْلَى ما لهُ العبدُ دُعِي) .
قال اللَّهُ تعالى: {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ} [فاطر: 28] ، وقالَ تعالى: {يَرْفَعُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ} [المُجَادَلَة: 11] ، وقالَ اللَّهُ تعالى: {وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا} [طه: 14] .
والأحاديثُ في فضائلِ العلمِ كثيرةٌ شهيرةٌ، منها قولُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ: (( لا حَسَدَ إِلاَّ فِي اثْنَتَيْنِ: رَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ مَالًا فَسَلَّطَهُ عَلَى هَلَكَتِهِ فِي الْخَيْرِ، وَرَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ الْحِكْمَةَ فَهُوَ يَقْضِي بِهَا وَيُعَلِّمُهَا لِلنَّاسِ ) )، رواهُ البخاريُّ منْ حديثِ ابنِ مسعودٍ.
ومنها قولُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ: (( مَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَلْتَمِسُ فِيهِ عِلْمًا سَهَّلَ اللَّهُ لَهُ طَرِيقًا إِلَى الْجَنَّةِ ) )، رواهُ التِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ عنْ أبي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عنهُ.
وقالَ الشافعيُّ رَضِيَ اللَّهُ عنهُ: طَلَبُ العلمِ أفضلُ منْ صلاةِ النافلةِ، وليسَ بعدَ الفريضةِ أفضلُ منْ طلبِ العلمِ، انْتَهَى.
وكفى بالعلمِ شرفًا أنَّ كلَّ أحدٍ يَدَّعِيهِ، وكفى بالجهلِ قُبْحًا أنَّ كُلَّ أحدٍ يُنْكِرُهُ.
وأنَّ هذا العِلْمَ مَخْصُوصٌ بِمَا قدْ شاعَ فيهِ عندَ كُلِّ العُلَمَا
بِأَنَّهُ أَوَّلُ عِلْمٍ يُفْقَدُ ... في الأرضِ حتَّى لا يَكَادَ يُوجَدُ