(بابُ الجدِّ والإخوَةِ) ؛ أيْ: من الأَبَوَيْنِ، أوْ من الأبِ فقطْ، سواءٌ كانَ أحدُ الصِّنْفَيْنِ منهما مُنْفَرِدًا عن الآخرِ، أوْ كَانَا مجتمعَيْنِ. والمرادُ: الواحدُ فأكثرُ من الذكورِ، أوْ من الإناثِ، أوْ مِنْهُما. والمرادُ أيضًا: حُكْمُهُ معهم، وحُكْمُهم معهُ. أمَّا حُكْمُهُ منفردًا عنهم وحُكْمُهُم مُنفردَيْنِ عنهُ فقدْ تَقَدَّمَ.
واعْلَمْ أنَّ الجدَّ والإخوةَ لمْ يَرِدْ فيهم شيءٌ من الكتابِ ولا من السُّنَّةِ، وإنَّما ثَبَتَ حُكْمُهُم باجتهادِ الصحابةِ رَضِيَ اللَّهُ عنهم. فمَذْهَبُ الإمامِ أبي بكرٍ الصِّدِّيقِ وابنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عنهما وجَمَاعَةٍ من الصحابةِ التابعينَ رَضِيَ اللَّهُ عنهم، ومَنْ تَبِعَهُم كأبي حنيفةَ رَضِيَ اللَّهُ عنهُ، والمُزَنِيِّ، وابنِ سُرَيْجٍ، وابنِ اللَّبَّانِ رَحِمَهُم اللَّهُ، وغَيْرِهِم: أنَّ الجدَّ كالأبِ، فَيَحْجُبُ الإخوةَ مطلقًا، وهذا هوَ المُفْتَى بهِ عن الحَنَفِيَّةِ.
ومذهبُ الإمامِ عَلِيِّ بنِ أبي طالبٍ رَضِيَ اللَّهُ، وزيدِ بنِ ثابتٍ رَضِيَ اللَّهُ عنهُ، وابنِ مسعودٍ رَضِيَ اللَّهُ عنهُ أنَّهُم يَرِثُونَ معهُ، على تفصيلٍ وخلافٍ ما، ذَكَرْتُهُ في (شرحِ الترتيبِ) معَ ذِكْرِ الأَدِلَّةِ والأَجْوِبَةِ لكلٍّ من الفريقَيْنِ.
ومذهبُ الإمامِ زيدٍ رَضِيَ اللَّهُ عنهُ هوَ مذهبُ الأئِمَّةِ الثلاثةِ: مالكٍ، والشافعيِّ، وأحمدَ بنِ حَنْبَلٍ رَضِيَ اللَّهُ عنهم. ووافَقَهُم مُحَمَّدٌ وأبو يوسفَ والجمهورُ رَحِمَهُم اللَّهُ، وهوَ ما ذَكَرَهُ المُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ حيثُ قالَ:
ونَبْتَدِي الآنَ بما أَرَدْنَا في الجدِّ والإخوةِ إذْ وَعَدْنَا
(ونَبْتَدِي الآنَ بما أَرَدْنَا) إِيرَادَهُ (في الجدِّ والإخوَةِ) لا من الأُمِّ فقطْ؛ (إذْ وَعَدْنَا) في بابِ الفروضِ، حيثُ قالَ: (وحُكْمُهُ وحُكْمُهُمْ سَيَأْتِي) .
فَأَلْقِ نَحْوَ ما أَقُولُ السَّمْعَا واجْمَعْ حَوَاشِيَ الكلماتِ جَمْعَا
(فَأَلْقِ نحْوَ ما أَقُولُ السَّمْعَا) ، وَاسْمَعْ سَمَاعَ تَفَهُّمٍ وإذْعانٍ، (واجْمَعْ) في ذِهْنِكَ (حَوَاشِيَ) ؛ أيْ: أطرافَ، (الكلماتِ) جمعِ كَلِمَةٍ، وهيَ: القولُ المُفْرَدُ، (جمعًا) مصدرٌ مُؤَكَّدٌ، والمرادُ أَنَّكَ تُصْغِي لِمَا يُورِدُهُ من العباراتِ في الجدِّ والإخوةِ، وتجمعُ أَوَّلَ الكلامِ وآخرَهُ، وتفصيلَهُ وإجمالَهُ، وتَهْتَمُّ بذلكَ اهتمامًا زائدًا، عسى أنْ تَظْفَرَ ببعضِ المُرَادِ. وإنَّما قَدَّمَ هذا الكلامَ؛ لأنَّ بابَ الجدِّ والإخوةِ خَطَرٌ صعبُ المرامِ، فلقدْ كانَ السلفُ الصالحُ رَضِيَ اللَّهُ عنهم يَتَوَقَّعُونَ الكلامَ فيهِ جِدًّا.
وعنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عنهُ أنَّهُ قالَ:"مَنْ سَرَّهُ أنْ يَقْتَحِمَ جَرَاثِيمَ جَهَنَّمَ فَلْيَقْضِ بينَ الجدِّ والإخوَةِ". وعن ابنِ مسعودٍ رَضِيَ اللَّهُ عنهُ:"سَلُونَا عنْ عَضَلِكُمْ، واتْرُكُونَا من الجدِّ لا حَيَّاهُ اللَّهُ ولا بَيَّاهُ". ووَرَدَ عنْ عمرَ بنِ الخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عنهُ أنَّهُ لَمَّا طَعَنَهُ أبو لُؤْلُؤَةَ وحَضَرَتْهُ الوفاةُ قالَ:"احْفَظُوا عَنِّي ثلاثةً: لا أَقُولُ في الجدِّ شيئًا، ولا أقولُ في الكَلالَةِ شيئًا، ولا أُوَلِّي عَلَيْكُمْ أَحَدًا".
إذْ تَقَرَّرَ ذلكَ فَلْنَرْجِعْ إلى كلامِ المُؤَلِّفِ رَحِمَهُ اللَّهُ، فقولُهُ:
واعْلَمْ بأنَّ الجدَّ ذُو أَحْوَالِ أُنْبِيكَ عَنْهُنَّ علَى التَّوَالِي
(وَاعْلَمْ بِأَنَّ الجَدَّ) أيْ معَ الإخوةِ (ذُو) ؛ أيْ: صاحبُ، (أَحْوَالٍ) باعتباراتٍ: فباعتبارِ أنَّ أهلَ الفرضِ معهم وُجُودًا وعَدَمًا حالانِ، وباعتبارِ ما لهُ من المُقَاسَمَةِ والثلثِ وغَيْرِهِما خمسةُ أحوالٍ، وباعتبارِ ما يُتَصَوَّرُ في تلكَ الأحوالِ الخمسةِ عَشَرَةُ أحوالٍ، وباعتبارِ انفرادِ أحدِ الصِّنْفَيْنِ معهُ واجْتِمَاعِهِمَا معهُ أربعةُ أحوالٍ. (أُنْبِيكَ) ؛ أيْ: أُخْبِرُكَ، (عَنْهُنَّ) ؛ أيْ: عنْ تلكَ الأحوالِ، إِمَّا تصريحًا، وإمَّا ضِمْنًا منْ تفاريعِ الكلامِ (على التَّوَالِي) ؛ أيْ: وَلاءً بحَسَبِ الحاجةِ.
يُقَاسِمُ الإخوةَ فِيهِنَّ إذا لَمْ يَعُدِ القَسْمُ عليهِ بالأَذَى