(وإنْ تَجِدْ زَوْجًا وأُمًّا) أوْ جَدَّةً (وَرِثَا) ؛ أي: الزوجَ؛ أي: الزوجُ والأُمُّ، أو الجَدَّةُ، فَوَرِثَت الزوجُ النصفَ، والأُمُّ أو الجَدَّةُ السدسَ، (وإِخْوَةً للأُمِّ) اثْنَيْنِ فأكثرَ (حَازُوا الثُّلُثَا) .
وإخوةً أيضًا لأُمٍّ وأبِ واسْتَغْرَقُوا المالَ بفَرْضِ النُّصُبِ
(وإخوةً أيضًا لأُمٍّ وأَبِ) ؛ أيْ: أَشِقَّاءَ، ذَكَرًا فأكثرُ ولوْ كانَ مَعَهُ أُنْثَى أوْ إناثٌ، (و) قدْ (استغْرَقُوا) ؛ أي: المَذْكُورُونَ غيرُ الأشِقَّاءِ (المالَ بفَرْضِ النُّصُبِ) جَمْعِ نصيبٍ، فالمسألةُ أَصْلُهَا سِتَّةٌ: للزوجِ النصفُ ثلاثةٌ، وللأُمِّ أو الجَدَّةِ السدسُ واحدٌ، وللإخوةِ للأمِّ الثلثُ اثنانِ، ومجموعُ الأنصباءِ سِتَّةٌ.
فلمْ يَبْقَ للعَصَبَةِ الشقيقِ شيءٌ، فكانَ مُقْتَضَى الحكمِ السابقِ أنْ يَسْقُطَ لاستغراقِ الفُرُوضِ، وذلكَ هوَ الذي قَضَى بهِ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عنهُ أَوَّلًا، وهوَ مَذْهَبُ الإمامِ أبي حَنِيفَةَ، والإمامِ أحمدَ بنِ حَنْبَلٍ رَحِمَهُما اللَّهُ تعالى، وهوَ أحدُ قَوْلَيْنِ عندَنا، وإِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عنْ زيدِ بنِ ثابتٍ رَضِيَ اللَّهُ عنهُ.
ثُمَّ وقعَتْ لعمرَ بنِ الخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عنهُ فأرادَ أنْ يَقْضِيَ بذلكَ، فقالَ لهُ زيدُ بنُ ثابتٍ:"هَبُوا أَبَاهُمْ كَانَ حِمَارًا فَمَا زَادَهُم الأَبُ إلاَّ قُرْبًا". وقيلَ: قالَ ذلكَ أحدُ الوَرَثَةِ. وقيلَ: قالَ بعضُ الإخوةِ لعمرَ رَضِيَ اللَّهُ عنهُ: هبْ أنَّ أَبَانَا كانَ حَجَرًا مُلْقًى في اليَمِّ؛ فَلِذَا سُمِّيَتْ بما تَقَدَّمَ. فَلَمَّا قيلَ لهُ ذلكَ قضَى بالتشريكِ بينَ الإخوةِ للأُمِّ، والإخوةِ الأشِقَّاءِ، كأنَّهُم كُلَّهُم أولادُ أُمٍّ، بعدَ أنْ كانَ أَسْقَطَهُم في العامِ الماضي. فقيلَ لهُ في ذلكَ، فَقَالَ: ذاكَ على ما قَضَيْنَا، وهذا على ما نَقْضِي. ووَافَقَهُ على ذلكَ جماعةٌ من الصحابةِ رَضِيَ اللَّهُ عنهم؛ منهم زيدُ بنُ ثابتٍ في أَشْهَرِ الرِّوَايَتَيْنِ عنهُ، وذهبَ إليهِ الإمامُ مالكٌ رَحِمَهُ اللَّهُ، وهوَ المذهبُ المشهورُ عن الإمامِ الشافعيِّ رَضِيَ اللَّهُ عنهُ، الذي قطعَ بهِ الأصحابُ رَحِمَهُم اللَّهُ، وهوَ الذي ذَكَرَهُ المُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ بلفظٍ مُوَافِقٍ لِمَا قيلَ لعمرَ بنِ الخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عنهُ، بقولِهِ:
فَاجْعَلْهُم كُلَّهُمْ لأُمِّ واجْعَلْ أَبَاهُم حَجَرًا في الْيَمِّ
(فَاجْعَلْهُم) ؛ أي: الإخوةَ الأشِقَّاءَ، والإخوةَ للأُمِّ، (كُلَّهُمْ) إخوةً (لأُمِّ واجْعَلْ أَبَاهُم حَجَرًا) ؛ أيْ: كحجرٍ مُلْقًى (في الْيَمِّ) ؛ أي: البحرِ، حتَّى كأنَّ الجميعَ إخوةٌ لأُمٍّ، بالنسبةِ لقسمةِ الثُّلُثِ بينَهُم فقطْ، لا مِنْ كُلِّ الوجوهِ، كما قالَ:
واقْسِمْ على الإخوةِ ثُلْثَ التَّرِكَهْ فهذهِ المسألةُ المُشْتَرِكَهْ
(واقْسِمْ على الإخوَةِ) الجميعِ؛ الأشِقَّاءِ والذينَ لأُمٍّ فقطْ، (ثُلْثَ التركَةِ) بينَهم بالسَّوِيَّةِ. فلوْ كانَ معَ الأشِقَّاءِ فيها أُنْثَى أَخَذَتْ كواحدٍ من الذكورِ، (فهذهِ المسألةُ المُشْتَرِكَةُ) المشهورةُ منْ زمنِ الصحابةِ رَضِيَ اللَّهُ عنهم على هذا الوقتِ، ولا بُدَّ في تَسْمِيَتِهَا والحُكْمِ فيها بما ذَكَرَ منْ هذهِ الأركانِ الأربعةِ، وهيَ: زوجٌ، وذُو سُدْسٍ منْ أُمٍّ أوْ جَدَّةٍ، واثنانِ فأكثرَ منْ أولادِ الأُمِّ، وعصبةٌ شقيقٌ. ومُحْتَرَزُ أَرْكَانِهَا وتوجيهُ كُلٍّ من المَذْهَبَيْنِ والمُعَايَاةُ بها مذكورٌ في المُطَوَّلاتِ، ومنها كتابُ (شرحِ الترتيبِ) .
تنبيهٌ: إنَّما قُلْتُ: (بالنسبةِ لقِسْمَةِ الثُّلُثِ بينَهم فقَطْ) ؛ لِئَلاَّ يَرِدَ ما لوْ كانَ معهم أُخْتٌ أوْ أخواتٌ لأبٍ؛ فإنَّهُم يَسْقُطُونَ بالعصبةِ الشقيقِ، ولا يُفْرَضُ للأختِ للأبِ النصفُ، وتَعُولُ لتسعةٍ. أوْ للأخواتِ للأبِ الثُّلُثَانِ، وتعولُ لعشَرَةٍ، كما تَوَهَّمَهُ بعْضُهم، وهوَ تَوَهُّمٌ باطلٌ، واللَّهُ أَعْلَمُ.
ثمَّ شَرَعَ المُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ في شيءٍ منْ أحكامِ الجدِّ والإخوةِ وَفَاءً بوَعْدِهِ السابقِ فقالَ:
(بابُ الجدِّ والإخوَةِ)