شرحُ مُقَدِّمَةِ الألفيَّةِ
(بِسمِ اللَّه الرحمنِ الرحيمِ)
1 -قَالَ مُحَمَّدٌ هُوَ ابْنُ مَالِكِ: أَحْمَدُ رَبِّي اللَّه خَيْرَ مَالِكِ
هو الإمامُ، العلامةُ، أبو عبدِ اللَّهِ، جمالُ الدينِ بنُ عبدِ اللَّه (ابنِ مالكٍ) الطائيُّ نسبًا، الشافعيُّ مذهبًا، الجيانيُّ منشأً، الأندلسيُّ إقليمًا، الدمشقيُّ دارًا، ووفاتُه لاثنتي عشرةَ ليلةً خلَتْ من شعبانَ عامَ اثنينِ وسبعينِ وستِّمَائِةٍ، وهو ابنُ خمسٍ وسبعينَ سنةٍ (أحمدُ ربِّي اللَّه خَيْرَ مَالِكٍ) أَيْ: أُثْْْنِي عليهِ الثناءَ الجميلَ، اللائَّقَ، بجلالِ عظمتِهِ، وجزيلِ نعمتِهِ التي هذا النظمُ مِنْ آثارِهَا، واختارَ صيغةَ المضارعِ المُثْبَتِ لما فيها من الإشعارِ بالاستمرارِ التجدُّدِيِّ، وقصدَ بذلك الموافقةَ بينَ الحمدِ والمحمودِ عليه، أي: كما أنَّ آلاءَه تعالى لا تزالُ تتجدَّدُ في حقِّنَا دائمًا كذلك نحمُده بمحامدٍ لا تزالُ تتجدَّدُ، وأيضا فهو رجوعٌ إلى الأصلِ؛ إذ أصلُ"الحمدِ لِلَّهِ": أحمدُ أو حمَدْتُ حمدً اللَّهَ: فحذَفَ الفِعْلَ اكتفاءً بدلالةِ مصدرِه عليه، ثُمَّ عدلَ إلى الرفعِ لقصدِ الدلالةِ على الدوامِ والثبوتِ، ثم أُدْخِلَتْ عليه"أل"لقصدِ الاستغراقِ. و"الربُّ"المالكُّ. و"اللَّهُ"عَلَمٌ على الذاتِ الواجبِ الوجودِ- أي: لذاتِه- المُسْتَحِقُّ لجميعِ المحامدِ، ولم يُسَّمَ بِهِ سِوَاه، ُ قال تعالى: {هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا} أيْ: هلْ تعلمُ أحدًا تَسَمَّى اللَّهُ غيرَ اللَّهِ، وهو عربيٌّ عندَ الأكثرِ، وعندَ المحقِّقينَ أنَّهَاسمُ اللَّهِ الأعظمُ، وقد ذُكِرَ في القرآنِ العظيمِ في ألفينِ وثلثِمِائِةٍ وستِّينَ موضعًا، واختارَ الإمامُ النوويُّ تبعًا لجماعةٍ أنَّهَالحيُّ القيومُ، قال: ولهذا لم يُذْكَرْ في القرآنِ إلا في ثلاثةِ مواضعَ: في البقرةِ، وآلِ عمرانَ، وطَهَ. واللَّهُ أعلمُ.
تنبيهٌ: أوقَعَ الماضي موقِعَ المستقبلَ تنزيلًا لمقولِه منزلةَ ما حصلَ: إما اكتفاءً بالحصولِ الذهنيِّ، أو نظرًا إلى ما قَوِيَ عندَه مِنْ تحقُّقِ الحصولِ وقُرْبِهِ، نحوُ: {أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلاَ تَسْتَعْجِلُوهُ} .
وجملةُ"هُوَ ابْنُ مَالِكٍ"مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ"قَالَ"ومقولِه، لا مَحِلَّ لها مِنَ الإعرابِ، ولفظُ"رَبِّ"نُصِبَ تقديرًا على المفعوليَّةِ، والياءُ في موضِعِ الجرِّ بالإضافةِ، و"اللَّهُ"نُصِبَ بدلٌ مِنْ"ربِّ"أو بيانِ و"خيرَ"نُصِبَ أيضًا بدلٌ أو حالٌ على حدِّ:"دعَوْتُ اللَّهَ سميعًا"وموضِعُ الجملةِ نصبُ مفعولٍ لِقالَ، ولفظُها خبرٌ، ومعناها الإنشاءُ، أي: أُنْشِيءُ الحمدَ.