الصفحة 69 من 811

وإنما لم يَذْكُرِ المصنِّفُ الياءَ وهم؛ لأنَّهما لا يُشْبِهَانِ (نا) من كلِّ وجهٍ؛ لأنَّ (نا) تكونُ للرفعِ والنصبِ والجرِّ، والمعنَى واحدٌ، وهي ضميرٌ متَّصِلٌ في الأحوالِ الثلاثةِ، بخلافِ الياءِ؛ فإنَّها وإنِ اسْتُعْمِلَتْ للرفعِ والنصبِ والجرِّ وكانَتْ ضميرًا متَّصِلًا في الأحوالِ الثلاثةِ لم تَكُنْ بمعنًى واحدٍ في الأحوالِ الثلاثةِ؛ لأنَّها في حالِ الرفعِ للمخاطَبِ [1] ، وفي حالَتَيِ النصبِ والجرِّ للمتكلِّمِ، وكذلك (هم) ؛ لأنَّها وإنْ كانَتْ بمعنًى واحدٍ في الأحوالِ الثلاثةِ فلَيْسَتْ مثلَ (نا) ؛ لأنَّها في حالةِ الرفعِ ضميرٌ منفصِلٌ، وفي حالَتَيِ النصبِ والجرِّ ضميرٌ متَّصِلٌ.

وألفٌ والواوُ والنونُ لِمَا ... غابَ وغَيْرِهِ كَقَاما واعْلَمَا [2]

الألفُ والواوُ والنونُ من ضمائرِ الرفعِ المتَّصِلَةِ، وتكونُ للغائبِ وللمخاطَبِ، فمِثالُ الغائبِ: (الزيدانِ قامَا، والزيدونَ قامُوا، والهِندَاتُ قُمْنَ) ، ومثالُ المخاطَبِ: (اعْلَمَا، واعْلَمُوا، واعْلَمْنَ) ، ويَدْخُلُ تحتَ قولِ المصنِّفِ: (وغَيْرِهِ) المخاطَبُ والمتكلِّمُ، وليسَ هذا بجَيِّدٍ؛ لأنَّ هذه الثلاثةَ لا تكونُ للمتكلِّمِ أصلًا، بل إنما تكونُ للغائبِ أو المخاطَبِ كما مَثَّلْنَا.

ومِن ضميرِ الرفعِ ما يَسْتَتِرُ ... كافْعَلْ أُوَافِقْ نَغْتَبِطْ إِذْ تَشْكُرُ [3]

يَنْقَسِمُ الضميرُ إلى مُسْتَتِرٍ وبَارِزٍ [4] والمُسْتَتِرُ إلى واجبِ الاستتارِ وجائِزِه، والمرادُ بواجبِ الاستتارِ: ما لا يَحِلُّ مَحَلَّه الظاهرُ، والمرادُ بجائزِ الاستتارِ: ما يَحِلُّ مَحَلَّهُ الظاهِرُ.

(1) كانَ على الشارحِ أنْ يقولَ: (للمخاطَبَةِ) ؛ لأنَّ الياءَ في نحوِ: (اضْرِبِي) ضميرُ المؤنَّثةِ المخاطَبَةِ، ويُعْتَذَرُ عنه بأنه أرادَ الجِنْسَ.

(2) (ألفٌ) مبتدأٌ، وهو نكرةٌ، وسَوَّغَ الابتداءَ به عَطْفُ المعرفةِ عليها، (والواوُ والنونُ) معطوفانِ على ألفٌ، (لِمَا) جارٌّ ومجرورٌ مُتَعَلِّقٌ بمحذوفٍ خبرِ المبتدأِ، (غَابَ) فعلٌ ماضٍ، وفاعلُه ضميرٌ مُسْتَتِرٌ فيه جوازًا تقديرُه هو يعودُ على ما، والجملةُ لا مَحَلَّ لها؛ صِلَةُ ما، (وغَيْرِهِ) الواوُ حرفُ عطفٍ، غيرِ: معطوفٌ على ما، وغيرِ مضافٌ والضميرُ مضافٌ إليه، (كَقَامَا) الكافُ جارٌّ لقولٍ محذوفٍ، والجارُّ والمجرورُ يَتَعَلَّقَانِ بمحذوفٍ خبرٍ لمبتدأٍ محذوفٍ؛ أي: وذلك كائنٌ كقولِكَ، وقاما: فعلٌ ماضٍ وفاعلٌ، (واعْلَمَا) الواوُ عاطفةٌ، واعْلَمَا: فعلُ أمرٍ، وألفُ الاثنيْنِ فاعِلُه، والجملةُ معطوفةٌ بالواوِ على جملةِ قَامَا.

(3) (مِن ضَمِيرِ) جارٌّ ومجرورٌ مُتَعَلِّقٌ بمحذوفٍ خبرٍ مقدَّمٍ، وضميرِ مضافٌ، و (الرَّفْعِ) مضافٌ إليه، (مَا) اسمٌ موصولٌ مبتدأٌ مؤخَّرٌ، مبنيٌّ على السكونِ في محلِّ رفعٍ، (يَسْتَتِرُ) فعلٌ مضارعٌ، وفاعلُه ضميرٌ مُسْتَتِرٌ فيه جوازًا تقديرُه هو يعودُ إلى ما، والجملةُ لا مَحَلَّ لها؛ صِلَةُ ما، (كافْعَل) الكافُ جارَّةٌ لقولٍ محذوفٍ، والجارُّ والمجرورُ يَتَعَلَّقُ بمحذوفٍ خبرٍ لمبتدأٍ محذوفٍ، والتقديرُ: وذلكَ كائنٌ كقولِكَ. وافْعَلْ: فعلُ أمرٍ، وفاعلُه ضميرٌ مُسْتَتِرٌ فيه وجوبًا تقديرُه أنتَ، (أُوَافِقْ) فعلٌ مضارعٌ مجزومٌ في جوابِ الأمرِ، وفاعلُه ضميرٌ مُسْتَتِرٌ فيه وُجوبًا تقديرُه أنا، (نَغْتَبِطْ) بَدَلٌ مِن أُوَافِقْ، (إذ) ظرفٌ وُضِعَ للزمنِ الماضِي، ويُسْتَعْمَلُ مجازًا في المستقبَلِ، وهو مُتَعَلِّقٌ بقولِه: (نَغْتَبِطْ) مبنيٌّ على السكونِ في محلِّ نصبٍ، (تَشْكُرُ) فعلٌ مضارعٌ، وفاعلُه ضميرٌ مُسْتَتِرٌ فيه وُجوبًا تقديرُه أنتَ، والجملةُ في محلِّ جرٍّ بإضافةِ إذ إليها.

(4) المنقسِمُ هو الضميرُ المتَّصِلُ، لا مُطْلَقُ الضميرِ، والمرادُ بالضميرِ البارِزِ ما له صُورةٌ في اللفظِ حقيقةً، نحوُ: التاءِ والهاءِ في أَكْرَمْتُهُ، والياءِ في ابْنِي، أو حُكمًا؛ كالضميرِ المتَّصِلِ المحذوفِ مِن اللفظِ جوازًا في نحوِ قولِكَ: جاءَ الذي ضَرَبْتُ؛ فإنَّ التقديرَ: جاءَ الذي ضَرَبْتُهُ، فحُذِفَتِ الهاءُ من اللفظِ وهي مَنْوِيَّةٌ؛ لأنَّ الصلةَ لا بُدَّ لها من عائدٍ يَرْبُطُها بالموصولِ، ومِن هنا تَعْلَمُ أنَّ البارزَ يَنْقَسِمُ إلى قِسميْنِ: الأوَّلُ: المذكورُ, والثاني: المحذوفُ.

والفرقُ بينَ المحذوفِ والمُسْتَتِرِ من وجهيْنِ:

الأوَّلُ: أن المحذوفَ يُمْكِنُ النطقُ به، وأمَّا المُسْتَتِرُ فلا يُمْكِنُ النطقُ به أصلًا، وإنَّما يَسْتَعِيرُونَ له الضميرَ المنفصِلَ ـ حِينَ يقولون: مُسْتَتِرٌ جوازًا تقديرُه هو، أو يقولون: مُسْتَتِرٌ وجوبًا تقديرُه أنا أو أنتَ ـ وذلكَ لقصدِ التقريبِ على المتعلِّمينَ، وليسَ هذا هو نفسَ الضميرِ المُسْتَتِرِ على التحقيقِ.

والوجهُ الثاني: أنَّ الاستتارَ يَخْتَصُّ بالفاعلِ الذي هو عُمْدَةٌ في الكلامِ، وأمَّا الحذفُ فكثيرًا ما يَقَعُ في الفَضَلاَتِ، كما في المفعولِ به في المثالِ السابقِ، وقد يَقَعُ في العُمَدِ في غيرِ الفاعلِ؛ كما في المبتدأِ، وذلك كثيرٌ في العربيَّةِ، ومِنه قولُ سُوَيْدِ بنِ أبي كاهِلٍ اليَشْكُرِيِّ، في وصفِ امرئٍ يُضْمِرُ بُغْضَه:

مُسْتَسِرُّ الشَّنْءِ لَوْ يَفْقِدُنِي ... لَبَدَا مِنْهُ ذُبَابٌ فَنَبَعْ

يريدُ: هو مُسْتَسِرُّ البُغْضِ، فحَذَفَ الضميرَ؛ لأنَّه معروفٌ يَنْسَاقُ إلى الذِّهْنِ، ومثلُ ذلكَ أكثرُ مِن أنْ يُحْصَى في كلامِ العربِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت