المُضْمَرَاتُ كلُّها مَبْنِيَّةٌ؛ لِشَبَهِهَا بالحروفِ في الجُمُودِ [1] ؛ ولذلك لا تُصَغَّرُ ولا تُثَنَّى ولا تُجْمَعُ، وإذا ثَبَتَ أنها مَبْنِيَّةٌ فمِنها ما يَشْتَرِكُ فيه الجرُّ والنصبُ، وهو كلُّ ضميرِ نَصْبٍ أو جَرٍّ مُتَّصِلٍ، نحوُ: أَكْرَمْتُكَ ومَرَرْتُ بِكَ، وإنَّه, ولَهُ، فالكافُ في (أَكْرَمْتُكَ) في موضِعِ نصبٍ، وفي (بِكَ) في موضعِ جرٍّ، والهاءُ في (إنَّه) في موضعِ نصبٍ، وفي (لَهُ) في موضعِ جرٍّ، ومنها ما يَشْتَرِكُ فيه الرفعُ والنصبُ والجرُّ، وهو (نا) ، وأشارَ إليه بقولِهِ:
للرفعِ والنصبِ وجَرٍّ (نَا) صَلَحْ ... كاعْرِفْ بِنَا فَإِنَّنَا نِلْنَا الْمِنَحْ [2]
أي: صَلَحَ لفظُ (نا) للرفعِ، نحوُ: نِلْنَا، وللنصبِ، نحوُ: فإنَّنا، وللجرِّ، نحوُ: بِنَا، وممَّا يُسْتَعْمَلُ للرفعِ والنصبِ والجرِّ الياءُ، فمثالُ الرفعِ نحوُ: (اضْرِبِي) ، ومثالُ النصبِ نحوُ: (أَكْرَمَنِي) ، ومثالُ الجرِّ نحوُ: (مَرَّ بِي) ، ويُسْتَعْمَلُ في الثلاثةِ أيضًا (هُم) ، فمثالُ الرفعِ (هم قائِمُونَ) ، ومثالُ النصبِ (أَكْرَمْتُهُمْ) ، ومثالُ الجرِّ (لهم) .
(1) قد عَرَفْتَ ـ فيما مضَى أوَّلَ بابِ المعرَبِ والمبنيِّ ـ أنَّ الضمائرَ مبنيَّةٌ لشَبَهِهَا بالحروفِ شَبَهًا وَضْعِيًّا؛ بسببِ كونِ أكثرِها قد وُضِعَ على حرفٍ واحدٍ أو حرفيْنِ، وحُمِلَ ما وُضِعَ على أكثرَ من ذلكَ عليه؛ حَمْلًا للأقلِّ على الأكثرِ.
وقد ذَكَرَ الشارِحُ في هذا الموضِعِ وَجهًا ثانيًا من وُجُوهِ شَبَهِ الضمائرِ بالحروفِ، وهو ما سَمَّاهُ بالشَّبَهِ الجُمُودِيِّ، وهو: كونُ الضمائرِ بحيثُ لا تَتَصَرَّفُ تَصَرُّفَ الأسماءِ، فلا تُثَنَّى ولا تُصَغَّرُ ولا تُجْمَعُ، وأمَّا نحوُ: (هما وهم وهُنَّ وأنتما وأنتم وأنتُنَّ) ، فهذه صِيَغٌ وُضِعَتْ مِن أوَّلِ الأمرِ على هذا الوجهِ، وليسَتْ علامةُ المثنَّى والجمعِ طارئةً عليها.
ونقولُ: قد أَشْبَهَتِ الضمائرُ الحروفَ في وجهٍ ثالثٍ، وهي أنها مُفْتَقِرَةٌ في دَلالَتِها على مَعْنَاهَا أَلْبَتَّةَ إلى شيءٍ، وهو المرجِعُ في ضميرِ الغائبِ، وقرينةُ التكلُّمِ أو الخِطابِ في ضميرِ الحاضرِ.
وأَشْبَهَتْهُ في وجهٍ رابعٍ، وهو أنها اسْتَغْنَتْ بسببِ اختلافِ صِيَغِها عن أنْ تُعْرَبَ، فأنتَ تَرَى أنهم قد وَضَعُوا للرفعِ صِيغةً لا تُسْتَعْمَلُ في غيرِه، وللنصبِ صِيغَةً أُخْرَى، ولم يُجِيزُوا إلاَّ أنْ تُسْتَعْمَلَ فيه، فكانَ مُجَرَّدُ الصِّيغةِ كافيًا لبيانِ موقعِ الضميرِ، فلم يَحْتَجْ للإعرابِ ليَبِينَ موقِعُه، فأَشْبَهَ الحروفَ في عدمِ الحاجةِ إلى الإعرابِ، وإنْ كانَ سببُ عدمِ الحاجةِ مُخْتَلِفًا فيهما، (وانظر: ص 15) .
(2) (للرفعِ) جارٌّ ومجرورٌ مُتَعَلِّقٌ بصَلَحَ الآتي، (والنصبِ وجرٍّ) معطوفانِ على الرفعِ، و (نا) مبتدأٌ وقد قُصِدَ لفظُه، (صَلَحْ) فعلٌ ماضٍ، وفاعلُه ضميرٌ مُسْتَتِرٌ فيه جوازًا تقديرُه هو يعودُ إلى نَا، والجملةُ مِن صَلَحَ وفاعلِه في محلِّ رفعِ خبرِ المبتدأِ، (كاعْرِفْ) الكافُ حرفُ جرٍّ، والمجرورُ محذوفٌ، والتقديرُ: كقَوْلِكَ، والجارُّ والمجرورُ مُتَعَلِّقٌ بمحذوفٍ خبرٍ لمبتدأٍ محذوفٍ؛ أي: وذلكَ كائنٌ كقولِكَ ... إلخ، واعْرِفْ: فعلُ أمرٍ، وفاعلُه ضميرٌ مُسْتَتِرٌ فيه وُجُوبًا تقديرُه أنتَ، (بِنَا) جارٌّ ومجرورٌ مُتَعَلِّقٌ باعْرِفْ، (فَإِنَّنَا) الفاءُ تعليليَّةٌ، وإنَّ: حرفُ توكيدٍ ونصبٍ، ونا: اسْمُها، (نِلْنَا) فعلٌ وفاعلٌ، والجملةُ مِن نالَ وفاعلِه في محَلِّ رفعِ خبرِ إنَّ، (المِنَحْ) مفعولٌ به لنَالَ، منصوبٌ بالفتحةِ الظاهرةِ؛ وسُكِّنَ لأجلِ الوقفِ.