الصفحة 57 من 811

أشار بقولِهِ: (كذا أُولاَتُ) إلى أنَّ (أُوَلاتٍ) تَجْرِي مَجْرَى جمعِ المؤنَّثِ السالِمِ في أنها تُنْصَبُ بالكسرةِ ولَيْسَتْ بجمعِ مؤنَّثٍ سالِمٍ، بل هي مُلْحَقَةٌ به؛ وذلك لأنَّها لا مفردَ لها مِن لَفْظِها.

ثم أشارَ بقولِه: (والذي اسْمًا قدْ جُعِلْ) إلى أنَّ ما سُمِّيَ به من هذا الجمعِ والملحَقِ به، نحوَ: (أَذْرِعَاتٍ) يُنْصَبُ بالكسرةِ، كما كانَ قبلَ التسميَةِ به، ولا يُحْذَفُ منه التنوينُ، نحوُ: (هذه أَذْرِعَاتٌ، ورَأَيْتُ أَذْرِعَاتٍ، ومَرَرْتُ بأَذْرِعَاتٍ) هذا هو المذهَبُ الصحيحُ، وفيه مذهبانِ آخرانِ: أَحَدُهما أنه يُرْفَعُ بالضمَّةِ ويُنْصَبُ ويُجَرُّ بالكسرةِ، ويُزالُ منه التنوينُ، نحوُ: (هذه أَذْرِعَاتُ، ورَأَيْتُ أَذْرِعَاتِ، ومَرَرْتُ بأَذْرِعَاتِ) ، والثاني: أنه يُرْفَعُ بالضمَّةِ، ويُنْصَبُ ويُجَرُّ بالفتحةِ، ويُحْذَفُ مِنه التنوينُ، نحوُ: (هذه أَذْرِعَاتُ، ورَأَيْتُ أَذْرِعَاتَ ومَرَرْتُ بأَذْرِعَاتَ) ، ويُرْوَى قولُه:

12 -تَنَوَّرْتُهَا مِنْ أَذْرِعَاتٍَ ِ وأَهْلُهَا ... بِيَثْرِبَ أَدْنَى دَارِهَا نَظَرٌ عَالِي [1]

(1) البيتُ لامْرِئِ القَيْسِ بنِ حُجْرٍ الكِنْدِيِّ، مِن قَصيدةٍ مَطْلَعُها:

ألاَ عِمْ صَبَاحًا أَيُّها الطَّلَلُ الْبَالِي ... وهل يَعِمَنْ مَنْ كَانَ فِي الْعُصُرِ الخَالِي

اللغةُ: (تَنَوَّرْتُهَا) نَظَرْتُ إليها من بَعيدٍ، وأصلُ التَّنَوُّرِ: النظرُ إلى النارِ مِن بَعِيدٍ، سَوَاءٌ أرادَ قَصْدَها أم لم يُرِدْ، و (أَذْرِعَاتٌ) بلدٌ في أطرافِ الشامِ، و (يَثْرِبُ) اسمٌ قديمٌ لمدينةِ الرسولِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، (أَدْنَى) أقربُ، (عَالٍ) عَظيمُ الارتفاعِ والامتدادِ.

الإعرابُ: (تَنَوَّرْتُهَا) فعلٌ وفاعلٌ ومفعولٌ به، (مِن) حرفُ جرٍّ، (أَذْرِعَاتٍ) مجرورٌ بمِن وعلامةُ جَرِّه الكسرةُ الظاهرةُ إذا قَرَأْتَهُ بالجرِّ مُنَوَّنًا، أو مِن غيرِ تنوينٍ، فإنْ قَرَأْتَه بالفتحِ قلتَ: وعلامةُ جَرِّه الفتحةُ نيابةً عن الكسرةِ؛ لأنَّه اسمٌ لا يَنْصَرِفُ، والمانعُ له من الصرفِ العَلَمِيَّةُ والتأنيثُ، والجارُّ والمجرورُ مُتَعَلِّقٌ بتَنَوَّرَ، (وأَهْلُهَا) الواوُ للحالِ، وأهلُ مبتدأٌ، وأهلُ مضافٌ والضميرُ مضافٌ إليه، (بِيَثْرِبَ) جارٌّ ومجرورٌ مُتَعَلِّقٌ بمحذوفٍ خبرُ المبتدأِ، والجملةُ من المبتدأِ والخبرِ في محلِّ نصبِ حالٍ، (أَدْنَى) مبتدأٌ، وأدنَى مضافٌ ودارِ مِن (دَارِهَا) مضافٌ إليه، ودارِ مضافٌ وضميرُ الغائبةِ مضافٌ إليه، (نَظَرٌ) خبرُ المبتدأِ، (عالِ) نعتٌ لنَظَرٌ.

الشاهدُ فيه: قولُه: (أَذْرِعَاتٍ) ؛ فإنَّ أصلَه جَمْعٌ، كما بَيَّنَّا في تقديرِ بيتِ الناظمِ، ثمَّ نُقِلَ فصارَ اسمَ بلدٍ، فهو في اللفظِ جمعٌ، وفي المعنَى مفردٌ.

ويُرْوَى في هذا البيتِ بالأوجهِ الثلاثةِ التي ذكَرَها الشارِحُ: فأمَّا مَن رَوَاهُ بالجرِّ والتنوينِ فإنما لاحَظَ حالَه قبلَ التسميةِ به، من أنه جُمِعَ بالألفِ والتاءِ المزيدتيْنِ، والذين يُلاحِظُونَ ذلك يَسْتَنِدُونَ إلى أنَّ التنوينَ في جَمْعِ المؤنَّثِ السالِمِ تنوينُ المقابلةِ؛ إذ هو في مقابلةِ النونِ التي في جمعِ المذكَّرِ السالِمِ، وعلى هذا لا يُحْذَفُ التنوينُ، ولو وُجِدَ في الكَلِمَةِ ما يَقْتَضِي منعَ صَرْفِها؛ لأنَّ التنوينَ الذي يُحْذَفُ عندَ منعِ الصرفِ هو تنوينُ التمكينِ، وهذا عندَهم كما قُلنا تنوينُ المقابلةِ، وأمَّا مَن رَوَاهُ بالكسرِ من غيرِ تنوينٍ - وهم جماعةٌ مِنهم المُبَرِّدُ والزَّجَّاجُ - فقد لاَحَظُوا فيه أمريْنِ:

أَوَّلُهما: أنه جمعٌ بحسَبِ أصلِه، وثانيهما: أنه عَلَمٌ على مؤنَّثٍ؛ فأَعْطَوْهُ مِن كلِّ جِهَةٍ شَبَهًا؛ فمِن جِهَةِ كَوْنِهِ جَمْعًا نَصَبُوه بالكسرةِ نيابةً عن الفتحةِ، ومِن جِهَةِ كونِه عَلَمَ مؤنَّثٍ حذَفوا تَنْوِينَه.

وأمَّا الذين رَوَوْهُ بالفتحِ مِن غيرِ تنوينٍ - وهم جماعةٌ مِنهم سِيبَوَيْهِ وابنُ جِنِّيٍّ - فقد لاحَظُوا حالتَه الحاضرةَ فقطْ، وهي أنه عَلَمٌ على مؤنَّثٍ، فقدِ اجْتَمَعَ فيه العَلَمِيَّةُ والتأنيثُ، وكلُّ اسمٍ تَجْتَمِعُ فيه العَلَمِيَّةُ معَ التأنيثِ يكونُ مَمْنُوعًا من الصرفِ، فيُجَرُّ بالفتحةِ نيابةً عن الكسرةِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت