عن أصلٍ، وهو الياءُ؛ لأنَّ أصلَه قُضَيَةٌ، ونحوُ: أبياتٍ [1] ؛ فإنَّ تاءَه أصليَّةٌ، والمرادُ منه ما كانَتِ الألفُ والتاءُ سببًا في دَلالتِهِ على الجمعِ، نحوُ: (هِنْدَاتٍ) ، فاحْتُرِزَ بذلك عن نحوِ: قُضَاةٍ وأبياتٍ؛ فإنَّ كلَّ واحدٍ مِنهما جَمْعٌ مُلْتَبِسٌ بالألفِ والتاءِ، وليسَ مِمَّا نحنُ فيه؛ لأنَّ دَلالةَ كلِّ واحدٍ مِنهما على الجمعِ ليسَ بالألفِ والتاءِ، وإنما هو بالصيغةِ.
فانْدَفَعَ بهذا التقريرِ الاعتراضُ على المُصَنِّفِ بمثلِ (قُضَاةٍ وأبياتٍ) ، وعُلِمَ أنه لا حاجةَ إلى أنْ يقولَ: بألفٍ وتاءٍ مَزِيدَتَيْنِ، فالباءُ في قَوْلِهِ: (بِتَا) متعلِّقَةٌ بقولِهِ: (جُمِعَ) .
وحُكْمُ هذا الجمعِ أنْ يُرْفَعَ بالضمَّةِ، ويُنْصَبَ ويُجَرَّ بالكَسرةِ، نحوُ: (جَاءَنِي هِنْدَاتٌ، ورَأَيْتُ هِنْدَاتٍ، ومَرَرْتُ بِهِنْدَاتٍ) ، فنَابَتْ فيه الكسرةُ عن الفتحةِ، وزَعَمَ بعضُهم أنه مبنِيٌّ في حالةِ النصبِ، وهو فاسدٌ؛ إذ لا مُوجِبَ لبنائِه [2] .
كَذَا أُولاَتُ والذي اسْمًا قَدْ جُعِلْ ... كأَذْرِعَاتٍ فيهِ ذا أيضًا قُبِلْ [3]
(1) ومثلُ أبياتٍ في ذلك: أمواتٌ، وأصواتٌ، وأَثْبَاتٌ، وأَحْوَاتٌ جَمْعُ حُوتٍ، وأَسْحَاتٌ جَمْعُ سُحْتٍ بمعنى حرامٍ.
(2) اخْتَلَفَ النَّحْوِيُّونَ في جمعِ المؤنَّثِ السالِمِ إذا دَخَلَ عليه عاملٌ يَقْتَضِي نصبَه؛ فقِيلَ: هو مبنيٌّ على الكسرِ في محلِّ نصبٍ، مثلُ: هؤلاءِ وحَذَامِ ونحوِهما، وقيل: هو مُعْرَبٌ، ثمَّ قيلَ: يُنْصَبُ بالفتحةِ الظاهرةِ مُطلقًا؛ أي: سواءٌ أكانَ مُفْرَدُه صحيحَ الآخِرِ نحوَ: زَيْنَبَاتٍ وطَلَحَاتٍ في جمعِ زَيْنَبَ وطَلْحَةَ، أم كانَ مُعْتَلاًّ نحوَ لُغاتٍ وثُبَاتٍ في جمعِ لُغَةٍ وثُبَةٍ، وقيلَ: بل يُنْصَبُ بالفتحةِ إذا كانَ مفردُه معتلاًّ، وبالكسرةِ إذا كانَ مفردُه صحيحًا، وقيلَ: يُنْصَبُ بالكسرةِ نيابةً عن الفتحةِ مُطلقًا؛ حَمْلًا لنصبِه على جَرِّه، كما حُمِلَ نَصْبُ جمعِ المذكَّرِ السالِمِ ـ الذي هو أصلُ جمعِ المؤنَّثِ ـ على جَرِّه، فجُعِلا بالياءِ، وهذا الأخيرُ هو أشهرُ الأقوالِ وأصحُّها عندَهم، وهو الذي جَرَى عليه الناظِمُ هنا.
ثم اعْلَمْ أنَّ الجمعَ بالألفِ والتاءِ يَنْقَاسُ في خمسةِ أشياءَ:
أوَّلُها: ما كانَ مُقْتَرِنًا بالتاءِ، سواءٌ أكانَ عَلَمَ مؤنَّثٍ كفَاطِمَةَ، أم عَلَمَ مذكَّرٍ كطَلْحَةَ، أم غيرَ عَلَمٍ كزَفْرَةٍ.
وثانيها: ما كانَ آخرُه ألفَ التأنيثِ الممدودةَ؛ كصَحْرَاءَ أو المقصورةَ كحُبْلَى.
وثالِثُها: ما كانَ عَلَمًا لمؤنَّثٍ؛ كزَيْنَبَ ودَعْدٍ.
ورَابِعُها: مُصَغَّرُ ما لا يَعْقِلُ؛ كدُرَيْهِمٍ.
وخامِسُها: وصفُ ما لا يَعْقِلُ؛ كأيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ وجِبالٍ رَاسِيَاتٍ.
(3) (كَذَا) جارٌّ ومجرورٌ مُتَعَلِّقٌ بمحذوفٍ خبرٍ مقدَّمٍ، (أُولاَتُ) مبتدأٌ مؤخَّرٌ، (وَالَّذِي) الواوُ للاستئنافِ، الذي اسمٌ موصولٌ مبتدأٌ أوَّلُ، (اسْمًا) مفعولٌ ثانٍ لجُعِلَ الآتِي، (قَدْ) حَرْفُ تحقيقٍ، (جُعِلْ) فعلٌ ماضٍ مبنيٌّ للمجهولِ، ونائبُ الفاعلِ ـ وهو المفعولُ الأوَّلُ ـ ضميرٌ مُسْتَتِرٌ فيه جَوَازًا تقديرُه هو يَعُودُ إلى الذي، والجملةُ لا مَحَلَّ لها صِلَةُ الموصولِ، (كَأَذْرِعَاتٍ) جارٌّ ومجرورٌ مُتَعَلِّقٌ بمحذوفٍ خَبَرٍ لمبتدأٍ محذوفٍ، والتقديرُ: وذلك كائنٌ كأَذْرِعَاتٍ، (فيهِ) جارٌّ ومجرورٌ مُتَعَلِّقٌ بقُبِل الآتِي، (ذَا) مبتدأٌ ثانٍ، (أَيْضًًا) مفعولٌ مطلَقٌ حُذِفَ عاملُه، (قُبِلْ) فعلٌ ماضٍ مبنيٌّ للمجهولِ، ونائبُ الفاعلِ ضميرٌ مُسْتَتِرٌ فيه جَوَازًا تقديرُه هو يعودُ إلى ذا، والجملةُ خبرُ المبتدأِ الثانِي، وجملةُ المبتدأِ الثاني وخبرِه في مَحَلِّ رفعِ خبرِ المبتدأِ الأوَّلِ وهو (الذي) ؛ أي: وقد قِيلَ هذا الإعرابُ في الجمعِ الذي جُعِلَ اسمًا كأَذْرِعَاتٍ، والتقديرُ الإعرابيُّ للبيتِ: وأُولاتُ كذلك؛ أي: كالجمعِ بالألفِ والتاءِ، والجمعُ الذي جُعِلَ اسمًا؛ أي: سُمِّيَ به بحيثُ صارَ عَلَمًا، ومثالُه أَذْرِعَاتٌ، هذا الإعرابُ قد قُبِلَ فيه أيضًًا، وأَذْرِعَاتٌ في الأصلِ: جمعُ أَذْرِعَةٍ الذي هو جمعُ ذِرَاعٍ، كما قالُوا: رِجَالاتٌ وبُيُوتَاتٌ وجِمَالاتٌ، وقد سُمِّيَ بأَذْرِعَاتٍ بلدٌ في الشامِ كما سَتَسْمَعُ في الشاهدِ رَقْمِ 12.