والأمرُ إنْ لَمْ يَكُ للنُّونِ مَحَلْ فيهِ هوَ اسمٌ نَحْوُ صَهْ وحَيَّهَلْ [1]
فصَهْ وحَيَّهَلْ اسمانِ، وإنْ دَلاَّ على الأمرِ؛ لعَدَمِ قَبُولِهِما نونَ التوكيدِ، فلا تقولُ: صَهَنَّ ولا حَيَّهَلَنَّ وإنْ كانَتْ صه بمعنى اسْكُتْ، وحَيَّهَلْ بمعنى أَقْبِلْ، فالفارِقُ [2] بينَهما قَبُولُ نونِ التوكيدِ وعَدَمُه نحوَ: (اسْكُتَنَّ وأَقْبِلَنَّ) ولا يَجُوزُ ذلك في (صَهْ وحَيَّهَلْ) .
(1) (والأمرُ) الواوُ عاطفةٌ أو للاستئنافِ، الأمرُ: مبتدأٌ، (إِنْ) حرفُ شرطٍ، (لَمْ) حرفُ نفيٍ وجزمٍ، (يَكُ) فعلٌ مضارعٌ ناقصٌ مجزومٌ بلم، وعلامةُ جزمِه سكونُ النونِ المحذوفةِ للتخفيفِ، وأصلُه يَكُنْ، (للنونِ) جارٌّ ومجرورٌ مُتَعَلِّقٌ بمحذوفٍ خبرُ يَكُ مقدَّمًا، (مَحَلْ) اسمُها مرفوعٌ بالضمَّةِ الظاهرةِ، وسُكِّنَ لأجلِ الوقفِ، (فِيهِ) جارٌّ ومجرورٌ مُتَعَلِّقٌ بمحذوفٍ نعتٍ لمَحَلٍّ، (هُوَ اسْمٌ) مبتدأٌ وخبرٌ، والجملةُ مِنهما في مَحَلِّ جزمِ جوابِ الشرطِ، وإنما لم يَجِئْ بالفاءِ للضرورةِ، والجملةُ مِن الشرطِ وجوابِه في محلِّ رفعِ خبرِ المبتدأِ، أو تُجْعَلُ جملةُ (هُوَ اسْمٌ) في مَحَلِّ رفعِ خبرِ المبتدأِ الذي هو قولُه: (الأمرُ) في أوَّلِ البيتِ، وتكونُ جملةُ جوابِ الشرطِ محذوفةً دَلَّتْ عليها جملةُ المبتدأِ وخبرِه، والتقديرُ على هذا: والدالُّ على الأمرِ هو اسمٌ إنْ لم يَكُنْ فيه محلٌّ للنونِ فهو اسمٌ، وحُذِفَ جوابُ الشرطِ عندَما لا يكونُ فعلُ الشرطِ ماضيًا ضرورةً أيضًًا، فالبيتُ لا يَخْلُو من الضرورةِ، (نَحْوُ) خبرٌ لمبتدأٍ محذوفٍ، والتقديرُ: وذلكَ نحوُ، ونحوُ مضافٌ و (صَهْ) مضافٌ إليه، وقدْ قَصَدَ لفظَه، (وَحَيَّهَلْ) معطوفٌ على صَهْ.
(2) أربعُ فوائدَ:
الأُولَى: أسماءُ الأفعالِ على ثلاثةِ أنواعٍ:
النوعُ الأوَّلُ: ما هو واجبُ التنكيرِ،، وذلك نحوُ: وَيْهًا ووَاهًا.
والنوعُ الثاني: ما هو واجبُ التعريفِ، وذلك نحوُ: نَزَالِ وتَرَاكِ وبابِهما.
والثالثُ: ما هو جائزُ التنكيرِ والتعريفِ، وذلك نحوُ: صَهْ ومَهْ، فما نُوِّنَ وُجوبًا أو جَوَازًا فهو نَكِرَةٌ، وما لم يُنَوَّنْ فهو معرفةٌ.
والفائدةُ الثانيةُ: تُوَافِقُ أسماءُ الأفعالِ الأفعالَ في ثلاثةِ أُمورٍ:
أَوَّلُها: الدَّلالةُ على المعنَى.
وثانيها: أنَّ كلَّ واحدٍ مِن أسماءِ الأفعالِ يُوَافِقُ الفعلَ الذي يكونُ بمعناه في التعدِّي واللُّزُومِ غَالِبًا.
وثالِثُها: أنه يُوَافِقُ الفعلَ الذي بمعناه في إظهارِ الفاعلِ وإضمارِه، ومِن غير الغالبِ في التعدِّي نحوُ: (آمِينَ) فإنَّه لم يُحْفَظْ في كلامِ العربِ تَعَدِّيهِ لمفعولٍ، معَ أنه بمعنَى: اسْتَجِبْ، وهو فعلٌ مُتَعَدٍّ، وكذا (إِيهِ) فإنَّه لازمٌ معَ أنَّ الفعلَ الذي بمعناه ـ وهو زِدْنِي ـ مُتَعَدٍّ.
وتُخَالِفُها في سبعةِ أُمُورٍ:
الأَوَّلُ: أنه لا يَبْرُزُ معَها ضميرٌ، بل تَقُولُ: (صَهْ) بلفظٍ واحدٍ للمفردِ والمثنَّى والجمعِ المذكَّرِ والمؤنَّثِ، بخلافِ (اسْكُتْ) فإنكَ تقولُ: اسْكُتِي، واسْكُتَا، واسْكُتُوا، واسْكُتْنَ.
والثاني: أنها لا يَتَقَدَّمُ معمولُها عليها، فلا تقولُ: (زيدًا عَلَيْكَ) كما تقولُ: (مُحَمَّدًا الْزَمْ) .
والثالثُ: أنه يَجُوزُ توكيدُ الفعلِ توكيدًا لفظيًّا باسمِ الفعلِ، تقولُ: انْزِلْ نَزَالِ، وتقولُ: اسْكُتْ صَهْ، كما تقولُ: انْزِلِ انْزِلْ، واسْكُتِ اسْكُتْ، ولا يَجُوزُ توكيدُ اسمِ الفعلِ بالفعلِ.
والرابعُ: أنَّ الفعلَ إذا دَلَّ على الطلبِ جازَ نصبُ المضارِعِ في جوابِه، فتقولُ: انْزِلْ فأُحَدِّثَكَ، ولا يَجُوزُ نصبُ المضارِعِ في جوابِ اسمِ الفعلِ ولو كانَ دالاًّ على الطلبِ؛ كصَهْ ونَزَالِ.
والخامسُ: أنَّ أسماءَ الأفعالِ لا تَعْمَلُ مُضْمَرَةً، بحيثُ تُحْذَفُ ويَبْقَى معمولُها، ولا مُتَأَخِّرَةً عن معمولِها، بل مَتَى وَجَدْتَ مَعْمُولًا تَقَدَّمَ على اسمِ فعلٍ تَعَيَّنَ عليكَ تقديرُ فِعْلٍ عامِلٍ فيه؛ فنحوُ قولُ الشاعرِ:
يا أَيُّهَا المَائِحُ دَلْوِي دُونَكَا ... إِنِّي رَأَيْتُ النَّاسَ يَحْمَدُونَكَا
يُقَدِّرُ: خُذْ دَلْوِي، ولا يَجُوزُ أنْ يكونَ قولُه: (دَلْوِي) مَعْمُولًا لدُونَكَا الموجودِ، ولا لآخَرَ مِثْلِه محذوفٍ، على الأصحِّ.
والسادسُ: أنَّ أسماءَ الأفعالِ غيرُ مُتَصَرِّفَةٍ، فلا تَخْتَلِفُ أَبْنِيَتُها لاختلافِ الزمانِ، بخلافِ الأفعالِ.
والسابعُ: أنها لا تَقْبَلُ علاماتِ الأفعالِ؛ كالنواصِبِ والجوازمِ ونونِ التوكيدِ وياءِ المخاطَبَةِ وتاءِ الفاعلِ، وهو ما ذَكَرَه الشارحُ في هذا الموضعِ.
فاحْفَظْ هذا كُلَّهْ، وكُنْ مِنه على ثَبَتٍ، واللهُ يَتَوَلاَّكَ.
الفائدةُ الثالثةُ: اخْتَلَفَ النُّحَاةُ في أسماءِ الأفعالِ؛ فقالَ جمهورُ البَصْرِيِّينَ: هي أسماءٌ قامَتْ مقامَ الأفعالِ في العملِ، ولا تَتَصَرَّفُ تَصَرُّفَ الأفعالِ بحيثُ تَخْتَلِفُ أَبْنِيَتُها لاختلافِ الزمانِ، ولا تُصْرَفُ الأسماءُ بحيثُ يُسْنَدُ إليها إسنادًا مَعْنَوِيًّا فتَقَعَ مُبْتَدأً وفَاعِلًا، وبهذا فارَقَتِ الصفاتِ كأسماءِ الفاعلينَ والمفعولينَ.
وقالَ جمهورُ الكُوفِيِّينَ: إنها أفعالٌ؛ لأنَّها تَدُلُّ على الحَدَثِ والزمانِ، كلُّ ما في البابِ أنها جامدةٌ لا تَتَصَرَّفُ، فهي كليسَ وعسَى ونحوِهما.
وقالَ أبو جَعْفَرِ بنُ صابرٍ: هي نوعٌ خاصٌّ مِن أنواعِ الكَلِمَةِ، فلَيْسَتْ أفعالًا، ولَيْسَتْ أسماءً؛ لأنَّها لا تَتَصَرَّفُ تَصَرُّفَ الأفعالِ ولا تصرُّفَ الأسماءِ، ولأنَّها لا تَقْبَلُ علامةَ الأسماءِ ولا علامةَ الأفعالِ. وأَعْطَاهَا أبو جَعْفَرٍ اسمًا خاصًّا بها حيثُ سَمَّاها (خَالِفَةً) .
والفائدةُ الرابعةُ: ما ذَكَرَه الناظِمُ مِن أنَّ الفعلَ ثلاثةُ أقسامٍ: ماضٍ ومضارعٌ وأمرٌ ـ هو مذهَبُ البَصْرِيِّينَ مِن النُّحاةِ، وذهَبَ الكُوفِيُّون إلى أنَّ الفعلَ قِسمانِ: ماضٍ ومضارِعٌ، وأمَّا ما نُسَمِّيه فعلَ الأمرِ فهو عندَهم مِن المضارِعِ ومُقْتَطَعٌ منه، فأصلُ (اضْرِبْ) عندَهم (لَتَضْرِبْ) بلامِ الأمرِ، فحُذِفَتِ اللامُ، ثمَّ حُذِفَ حرفُ المضارعةِ، ثمَّ جِيءَ بهمزةِ الوصلِ تَوَصُّلًا إلى النطقِ بالضادِ الساكنةِ. وهو تَكَلُّفٌ لا داعِيَ له.