ومثالُ انفرادِ الكلامِ: زيدٌ قائمٌ [1] .
بِالْجَرِّ وَالتَّنْوِينِ وَالنِّدَا وَأَلْ ... وَمُسْنَدٍ لِلاسمِ تَمْيِيزٌ حَصَلْ [2]
ذَكَرَ المصنِّفُ رَحِمَه اللهُ تعالى في هذا البيتِ علاماتِ الاسمِ:
فمِنها الجرُّ، وهو يَشمَلُ الجرَّ بالحرفِ والإضافةِ والتبَعِيَّةِ، نحوَ: (مَرَرْتُ بغلامِ زيدٍ الفاضلِ) فالغلامُ مجرورٌ بالحرفِ، وزيدٌ مجرورٌ بالإضافةِ، والفاضلُ مجرورٌ بالتبعيَّةِ، وهو أَشْمَلُ من قولِ غيرِه: (بحرفِ الجرِّ) ؛ لأنَّ هذا لا يَتناوَلُ الجرَّ بالإضافةِ ولا الجرَّ بالتبعيَّةِ.
ومِنها التنوينُ، وهو على أربعةِ أقسامٍ [3] :
تنوينُ التمكينِ: وهو اللاحِقُ للأسماءِ المُعرَبَةِ؛ كزيدٍ ورَجُلٍ إلاَّ جمعَ المؤنَّثِ السالِمِ نحوَ: (مُسْلِمَاتٍ) وإلاَّ نحوَ: (جَوَارٍ وغَوَاشٍ) وسيأتي حُكْمُهما.
وتنوينُ التنكيرُ: وهو اللاحِقُ للأسماءِ المبنيَّةِ؛ فَرقًا بينَ مَعْرِفَتِها ونَكِرَتِها؛ نحوُ: (مَرَرْتُ بِسِيبَوَيْهِ وبِسِيبَوَيْهٍ آخَرَ) .
وتنوينُ المقابَلَةِ: وهو اللاحِقُ لجمعِ المؤنَّثِ السالِمِ؛ نحوُ: (مُسْلِمَاتٍ) فإنَّه في مقابلةِ النونِ في جمعِ المذكَّرِ السالِمِ؛ كمُسلمينَ.
وتنوينُ العِوَضِ: وهو على ثلاثةِ أقسامٍ:
عِوَضٌ عن جملةٍ؛ وهو الذي يَلْحَقُ (إذ) عِوَضًا عن جملةٍ تكونُ بعدَها؛ كقولِه تعالى: {وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ} ؛ أي: حينَ إذْ بَلَغَتِ الرُّوحُ الحُلْقُومَ. فحَذَفَ (بَلَغَتِ الرُّوحُ الحُلْقُومَ) وأتَى بالتنوينِ عِوَضًا عنه.
وقِسمٌ يكونُ عِوَضًا عن اسمٍ، وهو اللاحِقُ لـ (كُلٍّ) عِوَضًا عمَّا تُضافُ إليه؛ نحوُ: (كلٌّ قائِمٌ) أي: (كلُّ إنسانٍ قائمٌ) فحَذَفَ (إنسانٍ) وأتى بالتنوينِ عِوَضًا عنه [4] .
(1) لم يَكُنْ هذا المثالُ ونحوُه كَلِمًا؛ لأنَّه ليسَ مُؤَلَّفًا مِن ثلاثِ كَلِماتٍ.
(2) (بالجَرِّ) جارٌّ ومجرورٌ مُتَعَلِّقٌ بقولِه: (حَصَلْ) الآتي آخرَ البيتِ، ويَجُوزُ أنْ يكونَ مُتَعَلِّقًا بمحذوفٍ خبرٌ مُقَدَّمٌ مُبْتَدَؤُه المؤخَّرُ هو قولُه: (تَمْيِيزٌ) الآتي، (والتَّنوينِ والنِّدا وأَلْ ومُسْنَدٍ) كُلُّهُنَّ معطوفاتٌ على قولِه: (بالجَرِّ) ، (للاسمِ) جارٌّ ومجرورٌ مُتَعَلِّقٌ بمحذوفٍ خبرٌ مُقدَّمٌ إنْ جَعَلْتَ قولَه: (بِالْجَرِّ) مُتَعَلِّقًا بحَصَلْ، فإنْ جَعَلْتَ (بالجرِّ) خَبَرًا مُقَدَّمًا ـ وهو الوجهُ الثانِي ـ كانَ هذا الجارُّ والمجرورُ مُتَعَلِّقًا بحَصَلْ، (تَمْيِيزٌ) مبتدأٌ مؤخَّرٌ، وقد عَرَفْتَ أنَّ خبرَه واحدٌ من اثنيْنِ، (حَصَلْ) فعلٌ ماضٍ، وفاعلُه ضميرٌ مُسْتَتِرٌ فيه جوازًا تقديرُه هو، يَعُودُ إلى (تمييزٌ) ، والجملةُ في محلِّ رفعِ نعتٍ لتمييزٌ، وتقديرُ البيتِ: التمييزُ الحاصلُ بالجرِّ والتنوينِ والنداءِ وألْ والإسنادِ كائنٌ للاسمِ، أو التمييزُ الحاصلُ للاسمِ عن أَخَوَيْهِ الفعلِ والحرفِ كائنٌ بالجرِّ والتنوينِ والنداءِ وألْ والإسنادِ؛ أي: كائنٌ بكلِّ واحدٍ من هذه الخمسةِ.
(3) في نُسخةٍ: (وهو أقسامٌ) بدونِ ذِكْرِ العددِ، والمرادُ ـ على ذِكْرِ العددِ ـ أنَّ المُخْتَصَّ بالاسمِ أربعةُ أقسامٍ.
(4) ومِنه قولُ اللهِ تعالى: {قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ} ، وقولُه جَلَّ شَأْنُه: {كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ} وقولُه تباركت كلماتُه: {كُلاًّ نُمِدُّ هَؤُلاَءِ وَهَؤُلاَءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ} ، ومِثلُ كُلٍّ في هذا الموضوعِ كَلِمَةُ (بعضٍ) ، ومِن شواهدِ حذفِ المفردِ الذي من حقِّ (بعضٍ) أنْ يُضافَ إليه والإتيانِ بالتنوينِ عِوَضًا عنه - قولُ رُؤْبَةَ بنِ العَجَّاجِ في مَطْلَعِ أُرْجُوزَةٍ طَوِيلَةٍ يَمْدَحُ فيها تَمِيمًا:
دَايَنْتُ أَرْوَى وَالدُّيُونُ تُقْضَى ... فمَطَلَتْ بَعْضًا وأَدَّتْ بَعْضَا
يُرِيدُ: فمَطَلَتْ بعضَ الدَّيْنِ وأَدَّتْ بعضَه الآخَرَ.