الصفحة 9 من 391

وبهذا يُعْلَمُ معنَى ما رُوِيَ عن الإِمامِ أحمدَ أن أُصولَ الإِسلامِ ثلاثةُ أحاديثَ: حديثِ: (( الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ ) )، وحديثِ: (( مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ ) )، وحديثِ: (( الْحَلَالُ بَيِّنٌ، وَالْحَرَامُ بَيِّنٌ ) ). فإنَّ الدِّينَ كلَّهُ يَرْجِعُ إلى فِعْلِ المأموراتِ، وتَرْكِ المَحْظُوراتِ، والتَّوَقُّفِ عن الشُّبُهاتِ، وهذا كُلُّهُ تَضَمَّنَهُ حديثُ النُّعْمانِ بنِ بَشِيرٍ.

وإِنَّما يَتِمُّ ذَلِكَ بأمريْنِ:

أحدُهما: أنْ يكونَ العمَلُ فِي ظاهِرِهِ على مُوَافَقَةِ السُّنَّةِ. وهذا هوَ الذي تَضَمَّنَهُ حديثُ عائِشَةَ: (( مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ ) ).

والثَّاني: أنْ يكونَ العَمَلُ فِي باطِنِهِ يُقْصَدُ بِهِ وَجْهُ اللَّهِ عزَّ وجلَّ، كما تَضَمَّنَهُ حديثُ عُمَرَ: (( الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ ) ).

وقالَ الفُضَيْلُ فِي قولِهِ تعالَى: {لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا} [الْمُلْك: 2] ، قالَ: أَخْلَصُهُ وأَصْوَبُهُ. وقالَ: إنَّ العَمَلَ إذا كانَ خالِصًا، ولمْ يكُنْ صوَابًا، لم يُقْبَلْ، وإذا كانَ صَوَابًا، ولمْ يكُنْ خالِصًا، لمْ يُقْبَلْ حتَّى يكونَ خالِصًا صوَابًا. قالَ: والخالِصُ إذا كانَ للَّهِ عزَّ وجلَّ، والصَّوابُ إذا كانَ على السُّنَّةِ.

وقدْ دَلَّ على هذا الَّذي قالَهُ الفُضَيْلُ قولُ اللَّهِ عزَّ وجلَّ: {فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا} [الكَهف: 110] .

وقالَ بعضُ العَارِفينَ: إنَّما تَفَاضَلُوا بالإِراداتِ، ولم يَتَفَاضَلُوا بالصَّوْمِ والصَّلاةِ.

وقولُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ فَهِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى دُنْيَا يُصِيبُهَا، أَوِ امْرَأَةٍ يَنْكِحُهَا، فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ ) ).

لمَّا ذَكَرَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنَّ الأَعمالَ بحسَبِ النِّيَّاتِ، وأنَّ حَظَّ العامِلِ مِنْ عَمَلِهِ نيَّتُهُ مِنْ خيرٍ أوْ شرٍّ، وهاتانِ كَلِمَتَانِ جامِعَتَانِ، وقاعِدَتَانِ كُلِّيَّتَانِ لا يَخْرُجُ عنهُما شيءٌ، ذَكَرَ بعدَ ذَلِكَ مِثالًا مِنْ أمْثَالِ الأعمالِ الَّتي صُورَتُها واحِدَةٌ، ويَخْتَلِفُ صلاحُها وفسادُها باختلافِ النِّيَّاتِ، وكأنَّهُ يقولُ: سائِرُ الأعمالِ على حَذْوِ هذا المثالِ.

وأصْلُ الهِجْرَةِ: هِجرانُ بَلَدِ الشِّرْكِ، والانْتِقَالُ مِنهُ إلى دارِ الإِسلامِ، كما كانَ المُهَاجِرُونَ قبلَ فَتْحِ مَكَّةَ يُهَاجِرُونَ مِنها إِلى مدينةِ النَّبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وقدْ هَاجَرَ مَنْ هاجَرَ مِنهم قبلَ ذَلِكَ إلى أرضِ الحَبَشَةِ إلى النَّجَاشِيِّ.

فأخْبَرَ النَّبيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنَّ هذِهِ الهِجْرَةَ تَخْتَلِفُ باخْتِلافِ النِّيَّاتِ والمَقَاصِدِ بها، فمَنْ هاجَرَ إلى دارِ الإِسلامِ حُبًّا للَّهِ ورسولِهِ، وَرَغْبَةً فِي تَعَلُّمِ دينِ الإِسلامِ، وإظهارِ دِينِهِ حيثُ كانَ يَعْجِزُ عنهُ فِي دارِ الشِّرْكِ، فهذا هوَ المُهَاجِرُ إلى اللَّهِ ورسولِهِ حقًّا، وكفَاهُ شَرَفًا وفَخْرًا أنَّهُ حَصَلَ لَهُ ما نَوَاهُ مِنْ هِجْرَتِهِ إلى اللَّهِ ورسولِهِ.

ولهذا المَعْنَى اقْتَصَرَ فِي جَوَابِ هذا الشَّرْطِ على إِعَادَتِهِ بلفْظِهِ؛ لأنَّ حُصُولَ ما نَوَاهُ بهِجْرَتِهِ نِهَايَةُ المَطْلُوبِ فِي الدُّنيا والْآخِرَةِ.

ومَنْ كانَت هِجْرَتُهُ مِنْ دارِ الشِّرْكِ إلى دارِ الإِسلامِ لطَلَبِ دُنْيا يُصِيبُها، أو امْرَأَةٍ يَنْكِحُها فِي دارِ الإِسلامِ، فهِجْرَتُهُ إلى ما هاجَرَ إليهِ مِنْ ذَلِكَ، فالأوَّلُ تاجِرٌ، والثَّاني خَاطِبٌ، وليسَ واحِدٌ مِنهما بمُهَاجِرٍ.

وفي قولِهِ: (( إِلى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ ) )، تَحْقِيرٌ لِمَا طَلَبَهُ مِنْ أمرِ الدُّنيا، واسْتِهَانَةٌ بِهِ؛ حيثُ لَم يَذْكُرْهُ بلَفْظِهِ. وأيضًا فالهِجْرَةُ إلى اللَّهِ ورسولِهِ واحِدَةٌ، فلا تَعَدُّدَ فيها، فلذَلِكَ أعَادَ الجوابَ فيها بلَفْظِ الشَّرْطِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت