152]، وقولِهِ: {تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ} [الأنفال: 67] ، وقولِهِ: {مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ} [الشُّورَى: 20] ، وقولِهِ: {مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا} [الإِسراء: 18 - 19] ، وقولِهِ تعالَى: {مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [هُود: 15 - 16] ، وقولِهِ: {وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ} [الأنعام: 52] ، وقولِهِ: {وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} [الكهف: 28] ، وقولِهِ: {ذَلِكَ خَيرٌ لِلَّذينَ يُريدُونَ وَجْهَ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} ، وقولِهِ: {وَمَا آتَيتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ} [الرُّوم: 38 - 39] .
وقدْ يُعَبَّرُ عنها فِي القُرآنِ بلفْظِ (الابْتِغَاءِ) ، كما فِي قولِهِ تعالَى: {إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى} [اللَّيْل: 20] ، وقولِهِ: {وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ} [البقرة: 265] ، وقولِهِ: {وَمَا تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ} [البقرة: 272] ، وقولِهِ: {لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا} [النساء: 114] .
فنَفَى الخَيْرَ عَنْ كثيرٍ مِمَّا يَتَنَاجَى بِهِ الناسُ إلَّا فِي الأمرِ بالمعروفِ، وخَصَّ منْ أفرادِهِ الصَّدَقَةَ والإِصلاحَ بينَ النَّاسِ؛ لعُمُومِ نَفْعِهِما، فدَلَّ ذَلِكَ على أنَّ التَّنَاجِيَ بذَلِكَ خَيْرٌ، وأمَّا الثوابُ عليهِ مِن اللَّهِ فخَصَّهُ بِمَنْ فعَلَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ.
وإنما جَعَلَ الأمرَ بالمعروفِ مِن الصَّدَقَةِ، والإِصلاحَ بينَ النَّاسِ وغَيْرَهُما خيرًا، وإنْ لمْ يُبْتَغَ بِهِ وَجْهُ اللَّهِ؛ لِمَا يَتَرَتَّبُ على ذَلِكَ مِن النَّفْعِ المُتَعَدِّي، فَيَحْصُلُ بِهِ لِلنَّاسِ إِحسانٌ وخيرٌ. وأمَّا بالنِّسبَةِ إلى الأَمْرِ، فإنْ قَصَدَ بِهِ وجهَ اللَّهِ وابتغاءَ مَرْضَاتِهِ كانَ خيرًا لَهُ، وأُثِيبَ عليهِ، وإنْ لمْ يَقْصِدْ ذَلِكَ لمْ يَكُنْ خيرًا لَهُ، ولا ثوابَ لهُ عليهِ. وهذا بخلافِ مَنْ صامَ وصلَّى وذَكَرَ اللَّهَ، يَقْصِدُ بذَلِكَ عَرَضَ الدُّنْيا؛ فإنَّهُ لا خَيْرَ لهُ فيهِ بالكُلِّيَّةِ؛ لأنَّهُ لا نَفْعَ فِي ذَلِكَ لصاحِبِهِ؛ لِمَا يَتَرتَّبُ عليهِ مِن الإِثْمِ فيهِ، ولا لغيرِهِ؛ لأنَّهُ لا يَتَعَدَّى نفعُهُ إلى أحدٍ، اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يحصُلَ لأحدٍ بهِ اقْتِدَاءٌ فِي ذَلِكَ.
وأمَّا ما وَرَدَ فِي السُّنَّةِ وكلامِ السَّلفِ مِنْ تسميَةِ هذا المعنَى بالنِّيَّةِ، فكثيرٌ جدًّا. ونحنُ نَذْكُرُ بعضَهُ، كما خرَّجَ الإِمامُ أحمدُ والنَّسَائِيُّ مِنْ حديثِ عُبادَةَ بنِ الصَّامِتِ، عن النَّبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قالَ: (( مَنْ غَزَا فِي سَبيلِ اللَّهِ وَلَمْ يَنْوِ إِلَّا عِقَالًا، فَلَهُ مَا نَوَى ) ).
وخَرَّجَ الإِمامُ أحمدُ مِنْ حديثِ ابنِ مَسْعُودٍ، عن النَّبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قالَ: (( إِنَّ أَكْثَرَ شُهَدَاءِ أُمَّتِي لَأَصْحَابُ الْفُرُشِ، وَرُبَّ قَتِيلٍ بَيْنَ الصَّفَّيْنِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِنِيَّتِهِ ) ).
وخَرَّجَ ابنُ مَاجَهْ مِنْ حديثِ جَابِرٍ، عن النَّبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قالَ: (( يُحْشَرُ النَّاسُ عَلَى نِيَّاتِهِمْ ) ). ومنْ حديثِ أبي هُرَيْرَةَ، عَن النَّبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قالَ: (( إِنَّمَا يُبْعَثُ النَّاسُ عَلَى نِيَّاتِهِمْ ) ).
وخَرَّجَ ابنُ أبي الدُّنْيَا مِنْ حديثِ عُمَرَ، عَن النَّبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قالَ: (( إِنَّمَا يُبْعَثُ الْمُقْتَتِلُونَ عَلَى النِّيَّاتِ ) ).
وفي (صحيحِ مُسْلِمٍ) : عنْ أُمِّ سَلَمَةَ، عن النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قالَ: (( يَعُوذُ عَائِذٌ بِالْبَيْتِ، فَيُبْعَثُ إِلَيْهِ بَعْثٌ، فَإِذَا كَانُوا بِبَيْدَاءَ مِنَ الْأَرْضِ خُسِفَ بِهِمْ ) )، فَقُلْتُ: يَا رسولَ اللَّهِ، فكَيْفَ بِمَنْ كَانَ كارِهًا؟ قالَ: (( يُخْسَفُ بِهِ مَعَهُمْ، وَلَكِنَّهُ يُبْعَثُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى نِيَّتِهِ ) ).