الصفحة 37 من 391

وَصَوْمُ رَمَضَانَ. مَنْ تَرَكَ مِنْهُنَّ وَاحِدَةً فَهُوَ بِهَا كَافِرٌ، حَلَالُ الدَّمِ. وَتَجِدُهُ كَثِيرَ الْمَالِ لَمْ يَحُجَّ، فَلَا يَزَالُ بِذَلِكَ كَافِرًا وَلَا يَحِلُّ دَمُهُ. وَتَجِدُهُ كَثِيرَ الْمَالِ فَلَا يُزَكِّي، فَلَا يَزَالُ بِذَلِكَ كَافِرًا وَلَا يَحِلُّ دَمُهُ )) . ورَوَاهُ قُتَيْبَةُ بنُ سَعِيدٍ عنْ حمَّادِ بنِ زَيْدٍ مَوْقُوفًا مُخْتَصَرًا، ورَوَاهُ سَعِيدُ بنُ زَيْدٍ أخو حَمَّادٍ عنْ عَمْرِو بنِ مالِكٍ بهذا الإِسنادِ مَرْفُوعًا، وقالَ: (( مَنْ تَرَكَ مِنْهُنَّ وَاحِدَةً فَهُوَ بِاللَّهِ كَافِرٌ، وَلَا يُقْبَلُ مِنْهُ صَرْفٌ وَلَا عَدْلٌ، وَقَدْ حَلَّ دَمُهُ وَمَالُهُ ) )، ولمْ يَذْكُرْ مَا بَعْدَهُ.

وقدْ رُوِيَ عنْ عُمَرَ ضَرْبُ الجِزْيَةِ على مَنْ لمْ يَحُجَّ، وقالَ: لَيْسُوا بمُسلمِينَ. وعن ابنِ مَسْعُودٍ، أنَّ تارِكَ الزَّكاةِ ليسَ بمُسْلِمٍ. وعنْ أحمدَ رِوَايَةُ: أنَّ تَرْكَ الصلاةِ والزَّكاةِ خاصَّةً كُفْرٌ دُونَ الصِّيَامِ والحَجِّ.

وقالَ ابنُ عُيَيْنَةَ: المُرْجِئَةُ سَمَّوْا تَرْكَ الفَرَائِضَ ذَنْبًا بمَنْزِلَةِ رُكُوبِ المَحَارِمِ، وليسَ سَوَاءً؛ لأنَّ رُكُوبَ المَحَارِمِ مُتَعَمَّدًا مِنْ غيرِ اسْتِحْلالٍ مَعْصِيَةٌ، وتَرْكَ الفَرَائِضِ مِنْ غَيْرِ جَهْلٍ ولا عُذْرٍ هوَ كُفْرٌ. وبَيَانُ ذلكَ في أَمْرِ إِبْلِيسَ وعُلَمَاءِ اليهودِ الذينَ أقَرُّوا بنَعْتِ النَّبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بلسانِهِم، ولَمْ يَعْمَلُوا بشرائِعِهِ.

وقد اسْتَدَلَّ أحمدُ وإسحاقُ على كُفْرِ تارِكِ الصَّلاةِ بكُفْرِ إِبلِيسَ بترْكِ السُّجُودِ لآدَمَ، وتَرْكُ السُّجُودِ لِلَّهِ أَعْظَمُ.

وفي (صحيحِ مسلمٍ) : عنْ أبي هُرَيْرَةَ، عن النبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قالَ: (( إِذَا قَرَأَ ابْنُ آدَمَ السَّجْدَةَ فَسَجَدَ اعْتَزَلَ الشَّيْطَانُ يَبْكِي وَيَقُولُ: يَا وَيْلِي؛ أُمِرَ ابْنُ آدَمَ بِالسُّجُودِ فَسَجَدَ، فَلَهُ الْجَنَّةُ، وَأُمِرْتُ بِالسُّجُودِ فَأَبَيْتُ فَلِيَ النَّارُ ) ).

واعْلَمْ أنَّ هذهِ الدعائِمَ الخَمْسَ بَعْضُها مُرْتَبِطٌ ببَعْضٍ، وقَد رُوِيَ أنَّهُ لا يُقْبَلُ بَعْضُها بدُونِ بَعْضٍ، كما في (مُسْنَدِ الإمامِ أحمدَ) : عنْ زِيَادِ بنِ نُعَيْمٍ الْحَضْرَمِيِّ قالَ: قالَ رسولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( أَرْبَعٌ فَرَضَهُنَّ اللَّهُ فِي الْإِسْلَامِ، فَمَنْ أَتَى بِثَلَاثٍ لَمْ يُغْنِينَ عَنْهُ شَيْئًا حَتَّى يَأْتِيَ بِهِنَّ جَمِيعًا: الصَّلَاةُ، وَالزَّكَاةُ، وَصَوْمُ رَمَضَانَ، وَحَجُّ الْبَيْتِ ) ). وهذا مُرْسَلٌ، وَقَد رُوِيَ عنْ زِيَادٍ عنْ عُمَارَةَ بنِ حَزْمٍ عن النبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

ورُوِيَ عنْ عثمانَ بنِ عَطَاءٍ الخُرَاسَانِيِّ، عنْ أبيهِ، عن ابنِ عُمَرَ قالَ: قالَ رسولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( الدِّينُ خَمْسٌ لَا يَقْبَلُ اللَّهُ مِنْهُنَّ شَيْئًا دُونَ شَيْءٍ: شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَإِيمَانٌ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ، وَبِالْجَنَّةِ وَالنَّارِ، وَالْحَيَاةِ بَعْدَ الْمَوْتِ، هَذِهِ وَاحِدَةٌ، وَالصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ عَمُودُ الدِّينِ، لَا يَقْبَلُ اللَّهُ الْإِيمَانَ إِلَّا بِالصَّلَاةِ، وَالزَّكَاةُ طَهُورٌ مِنَ الذُّنُوبِ، وَلَا يَقْبَلُ اللَّهُ الْإِيمَانَ وَلَا الصَّلَاةَ إِلَّا بِالزَّكَاةِ. فَمَنْ فَعَلَ هَؤُلَاءِ، ثُمَّ جَاءَ رَمَضَانُ فَتَرَكَ صِيَامَهُ مُتَعَمِّدًا، لَمْ يَقْبَلِ اللَّهُ مِنْهُ الْإِيمَانَ، وَلَا الصَّلَاةَ، وَلَا الزَّكَاةَ. فَمَنْ فَعَلَ هَؤُلَاءِ الْأَرْبَعَ، ثُمَّ تَيَسَّرَ لَهُ الْحَجُّ، فَلَمْ يَحُجَّ، وَلَمْ يُوصِ بِحَجَّةٍ، وَلَمْ يَحُجَّ عَنْهُ بَعْضُ أَهْلِهِ، لَمْ يَقْبَلِ اللَّهُ مِنْهُ الْأَرْبَعَ الَّتِي قَبْلَهَا ) ). ذَكَرَهُ ابنُ أبِي حاتِمٍ وقالَ: سَأَلْتُ أبي عنهُ، فقالَ: هذا حديثٌ مُنْكَرٌ، يُحْتَمَلُ أنَّ هذا مِنْ كلامِ عطاءٍ الخُرَاسَانِيِّ.

قُلْتُ: الظاهِرُ أنَّهُ مِنْ تَفْسِيرِهِ لحديثِ ابنِ عُمَرَ، وعَطَاءٌ مِنْ جِلَّةِ عُلَماءِ الشَّامِ.

وقالَ ابنُ مَسْعُودٍ: مَنْ لَمْ يُزَكِّ فلا صَلَاةَ لَهُ. ونَفْيُ القَبُولِ هنا لا يُرادُ بِهِ نَفْيُ الصِّحَّةِ، ولا وُجُوبُ الإِعَادَةِ بتَرْكِهِ، وإنَّما يُرادُ بذلكَ انْتِفَاءُ الرِّضَا بِهِ، ومَدْحِ عامِلِهِ، والثناءِ بذلكَ عليهِ في المَلَأِ الأَعْلَى، والمُبَاهَاةِ بِهِ للملائِكَةِ.

فمَنْ قامَ بهذهِ الأركانِ على وَجْهِهَا حَصَلَ لَهُ القَبُولُ بهذا المَعْنَى، ومَنْ قَامَ ببَعْضِهَا دُونَ بَعْضٍ لمْ يَحْصُلْ لهُ ذلكَ، وإنْ كانَ لا يُعَاقَبُ على ما أَتَى بِهِ مِنها عُقُوبَةَ تارِكِهِ، بلْ تَبْرَأُ بهِ ذِمَّتُهُ، وقدْ يُثَابُ عليهِ أيضًا.

ومِنْ هُنا يُعْلَمُ أنَّ ارْتِكَابَ بَعْضِ المُحَرَّمَاتِ التي يَنْقُصُ بِهَا الإيمانُ تكونُ مانِعَةً مِنْ قَبُولِ بعضِ الطَّاعاتِ، ولوْ كانَ مِنْ بعضِ أركانِ الإِسلامِ بهذا المَعْنَى الذي ذَكَرْنَاهُ، كما قالَ النبيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( مَنْ شَرِبَ الْخَمْرَ لَمْ يَقْبَلِ اللَّهُ لَهُ صَلَاةً

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت