الصفحة 36 من 391

(1) هذا الحديثُ خَرَّجَاهُ فِي (الصَّحيحَيْنِ) مِنْ روايَةِ عِكْرِمَةَ بنِ خَالِدٍ عن ابنِ عُمَرَ، وَخَرَّجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ طريقَيْنِ آخَرَيْنِ عن ابنِ عُمَرَ، ولَهُ طُرُقٌ أُخْرَى عنهُ.

وقدْ رُوِيَ هذا الحديثُ مِنْ روايَةِ جَرِيرِ بنِ عبدِ اللَّهِ البَجَلِيِّ، عن النَّبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَخَرَّجَ حَدِيثَهُ الإمامُ أحْمَدُ.

وقَد سَبَقَ في الحديثِ الذي قبلَهُ ذِكْرُ الإِسلامِ.

والمُرادُ مِنْ هذا الحديثِ أنَّ الإِسلامَ مَبْنِيٌّ على هذهِ الخَمْسِ، فهيَ كَالأَرْكَانِ والدَّعَائِمِ لبُنْيَانِهِ، وقدْ خَرَّجَهُ مُحَمَّدُ بنُ نَصْرٍ المَرْوَزِيُّ في (كتابِ الصلاةِ) ، ولَفْظُهُ: (( بُنِيَ الْإِسْلَامُ عَلَى خَمْسِ دَعَائِمَ ) )، فذَكَرَهُ. والمَقْصُودُ تَمْثيلُ الإِسلامِ بِبُنْيَانِهِ، ودعائِمُ البُنْيَانِ هذهِ الخَمْسُ، فلا يَثْبُتُ البُنْيَانُ بدُونِهَا، وبَقِيَّةُ خِصَالِ الإِسلامِ كَتَتِمَّةِ البُنْيَانِ، فإذا فُقِدَ مِنها شَيْءٌ نَقَصَ البُنْيَانُ وهوَ قائِمٌ لَا يُنْتَقَضُ بنَقْصِ ذلكَ، بخِلافِ نَقْضِ هذهِ الدَّعَائِمِ الخَمْسِ؛ فإنَّ الإِسلامَ يَزُولُ بفَقْدِهَا جَمِيعِها بغيرِ إِشْكَالٍ. وكذلكَ يَزُولُ بِفَقْدِ الشَّهادَتَيْنِ. والمُرادُ بالشَّهَادَتَيْنِ الإِيمانُ باللَّهِ ورسولِهِ. وقدْ جاءَ في روايَةٍ ذَكَرَها البُخَارِيُّ تَعْلِيقًا: (( بُنِيَ الْإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ: إِيمَانٍ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ) )، وذَكَرَ بَقِيَّةَ الحديثِ. وفي روايَةٍ لمُسْلِمٍ: (( عَلَى خَمْسٍ: عَلَى أَنْ يُوَحَّدَ اللَّهُ ) ). وفي روايَةٍ لهُ: (( عَلَى أَنْ يُعْبَدَ اللَّهُ ويُكْفَرَ بِمَا دُونَهُ ) ).

وبهذا يُعْلَمُ أنَّ الإِيمانَ باللَّهِ ورسُولِهِ داخِلٌ في ضِمْنِ الإِسلامِ كما سَبَقَ تَقْرِيرُهُ في الحديثِ الماضِي.

وأمَّا إِقامُ الصَّلاةِ، فقدْ وَرَدَتْ أحاديثُ مُتَعَدِّدَةٌ تَدُلُّ على أنَّ مَنْ تَرَكَهَا فَقَد خَرَجَ مِن الإِسلامِ؛ فَفِي (صحيحِ مسلمٍ) : عنْ جَابِرٍ، عن النَّبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قالَ: (( بَيْنَ الرَّجُلِ وَبَيْنَ الشِّرْكِ وَالْكُفْرِ تَرْكُ الصَّلَاةِ ) ). ورُوِيَ مِثْلُهُ مِنْ حديثِ بُرَيْدَةَ وثَوْبَانَ وأَنَسٍ وغيرِهم.

وخَرَّجَ مُحَمَّدُ بنُ نَصْرٍ المَرْوَزِيُّ مِنْ حديثِ عُبَادَةَ بنِ الصَّامِتِ، عَن النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قالَ: (( لَا تَتْرُكِ الصَّلَاةَ مُتَعَمِّدًا؛ فَمَنْ تَرَكَهَا مُتَعَمِّدًا فَقَدْ خَرَجَ مِنَ الْمِلَّةِ ) ).

وفي حديثِ مُعَاذٍ، عن النبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( رَأْسُ الْأَمْرِ الْإِسْلَامُ، وَعَمُودُهُ الصَّلَاةُ ) ). فجَعَلَ الصلاةَ كَعَمُودِ الفُسْطَاطِ الذي لا يَقُومُ الفُسْطَاطُ ولا يَثْبُتُ إلَّا بِهِ، ولوْ سَقَطَ العَمُودُ لسَقَطَ الفُسْطَاطُ ولمْ يَثْبُتْ بِدُونِهِ.

وقالَ عُمَرُ: لا حَظَّ في الإِسلامِ لِمَنْ تَرَكَ الصلاةَ. وقالَ سَعْدٌ وعَلِيُّ بنُ أَبِي طَالِبٍ: مَنْ تَرَكَهَا فَقَدْ كَفَرَ.

وقالَ عبدُ اللَّهِ بنُ شَقِيقٍ: كانَ أَصْحَابُ رسولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لا يَرَوْنَ مِن الأعمالِ شيئًا تَرْكُهُ كُفْرٌ غَيْرَ الصلاةِ.

وقالَ أَيُّوبُ السِّخْتِيَانِيُّ: تَرْكُ الصَّلاةِ كُفْرٌ، لا يُختَلَفُ فيهِ.

وذَهَبَ إلى هذا القولِ جماعَةٌ مِن السَّلَفِ والخَلَفِ، وهوَ قولُ ابنِ المُبَارَكِ وأَحْمَدَ وإِسْحَاقَ، وحَكَى إِسْحَاقُ عليهِ إِجْمَاعَ أهلِ العِلْمِ. وقالَ مُحَمَّدُ بنُ نَصْرٍ المَرْوَزِيُّ: هوَ قَوْلُ جُمْهُورِ أهلِ الحديثِ.

وذَهَبَ طائِفَةٌ مِنهم إِلَى أنَّ مَنْ تَرَكَ شيئًا مِنْ أركانِ الإِسلامِ الخَمْسَةِ عَمْدًا أنَّهُ كافِرٌ بِذَلِكَ. ورُوِيَ ذلكَ عنْ سعيدِ بنِ جُبَيْرٍ ونَافِعٍ والحَكَمِ، وهوَ رِوَايَةٌ عنْ أَحْمَدَ اخْتَارَهَا طائفةٌ مِنْ أصحابِهِ، وهوَ قولُ ابنِ حَبِيبٍ مِن المالِكِيَّةِ.

وخرَّجَ الدَّارَقُطْنِيُّ وغيرُهُ مِنْ حديثِ أبي هُرَيْرَةَ قالَ: قيلَ: يا رَسولَ اللَّهِ، الحَجُّ في كُلِّ عامٍ؟ قالَ: (( لَوْ قُلْتُ: نَعَمْ، لَوَجَبَ عَلَيْكُمْ، وَلَوْ وَجَبَ عَلَيْكُمْ مَا أَطَقْتُمُوهُ، وَلَوْ تَرَكْتُمُوهُ لَكَفَرْتُمْ ) ).

وخرَّجَ اللَّالَكَائِيُّ مِنْ طريقِ مُؤَمَّلٍ قالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بنُ زَيْدٍ، عنْ عَمْرِو بنِ مالِكٍ النُّكْرِيِّ، عنْ أبي الجَوْزَاءِ، عن ابنِ عبَّاسٍ، ولا أَحْسَبُهُ إلَّا رَفَعَهُ قالَ: (( عُرَى الْإِسْلَامِ وَقَوَاعِدُ الدِّينِ ثَلَاثَةٌ، عَلَيْهِنَّ أُسِّسَ الْإِسْلَامُ: شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَالصَّلَاةُ،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت