يَنْتَقِضْ وَقَالَ عَطَاءٌ: إِنْ مَسَّ مَنْ تَحْرُمُ عَلَيْهِ انْتَقَضَ وُضُوءُهُ، وَإِنْ مَسَّ مَنْ تَحِلُّ لَهُ لَمْ يَنْتَقِضْ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ: لَا وُضُوءَ فِي الْمُلَامَسَةِ بِحَالٍ. وَاسْتَدَلُّوا جَمِيعًا عَلَى سُقُوطِ الْوُضُوءِ مِنْهَا عَلَى اخْتِلَافِهِمْ فِيهَا بِرِوَايَةِ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ عَنْ عَائِشَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ قَبَّلَهَا وَلَمْ يَتَوَضَّأْ. وَبِرِوَايَةِ الْأَعْمَشِ عَنِ حَبِيبٍ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ قَبَّلَ امْرَأَةً مِنْ نِسَائِهِ ثُمَّ خَرَجَ إِلَى الصَّلَاةِ وَلَمْ يَتَوَضَّأْ، فَقَالَ عُرْوَةُ: فَقُلْتُ لَهَا: مَنْ هِيَ إِلَّا أَنْتِ، فَضَحِكَتْ. وَبِمَا رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّهَا قَالَتِ: افْتَقَدْتُ رَسُولَ اللَّهِ ذَاتَ لَيْلَةٍ، فَقُمْتُ أَلْتَمِسُهُ بِيَدِي، فَوَقَعَتْ يَدِي عَلَى أَخْمَصِ قَدَمَيْهِ، وَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِعَفْوِكَ مِنْ عِقَابِكَ» ، فَلَوْ كَانَ وُضُوءُهُ انْتَقَضَ لَمْ يَمْضِ فِي سُجُودِهِ. قَالَ: وَلِأَنَّ النَّبِيَّ كَانَ يَحْمِلُ أُمَامَةَ بِنْتَ أَبِي الْعَاصِ فِي صَلَاتِهِ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ لَمْسَ الْإِنَاثِ لَا يَنْقُضُ الْوُضُوءَ.
قَالَ: وَلِأَنَّهَا مُلَامَسَةٌ مِنْ جِسْمَيْنِ، فَوَجَبَ أَلَّا يَنْتَقِضَ بِهَا الْوُضُوءُ، كَمَا لَوْ كَانَ ذَلِكَ بَيْنَ رَجُلَيْنِ أَوِ امْرَأَتَيْنِ، وَلِأَنَّهُ لَمْسٌ بَيْنَ ذَكَرٍ وَأُنْثَى، فَوَجَبَ أَلَّا يَنْتَقِضَ الْوُضُوءُ قِيَاسًا عَلَى لَمْسِ ذَوَاتِ الْمَحْرَمِ، وَلِأَنَّهُ لَمْسُ جُزْءٍ مِنِ امْرَأَتِهِ فَوَجَبَ أَلَّا يَنْتَقِضَ الْوُضُوءُ كَلَمْسِ الشَّعْرِ.
وَدَلِيلُنَا: قَوْلُهُ تَعَالَى: «إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ» إِلَى قَوْلِهِ: «أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا» . فَكَانَ الدَّلِيلُ فِي الْآيَةِ مِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ حَقِيقَةَ الْمُلَامَسَةِ اسْمٌ لِالْتِقَاءِ الْبَشَرَتَيْنِ لُغَةً، وَشَرْعًا.
أَمَّا اللُّغَةُ: قَوْلُ الْأَعْمَشِ: وَلَا تَلْمِسِ الْأَفْعَى يَدُكَ تَضُرُّهَا ... وَدَعْهَا إِذَا مَا عَيَّنْتَهَا سَبَّابَهَا
وَأَنْشَدَ الشَّافِعِيُّ:
وَأَلْمَسْتُ كَفِّي كَفَّهُ طَلَبَ الْغِنَى ... وَلَمْ أَدْرِ أَنَّ الْجُودَ مِنْ كَفِّهِ يُعْدِي
فَلَا أَنَا مِنْهُ مَا أَفَادَ ذَوُو الْغِنَى ... أَفَدْتُ وَأَعْدَانِي فَضَيَّعْتُ مَا عِنْدِي
وَأَمَّا الشَّرْعُ، فَقَوْلُهُ تَعَالَى: «فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ» ، وَقَوْلُهُ: «وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ» ، وَنَهَى النَّبِيُّ عَنْ بَيْعِ الْمُلَامَسَةِ.
وَالثَّانِي: أَنَّ اسْمَ الْمُلَامَسَةِ اسْمٌ لَهُ حَقِيقَةٌ وَمَجَازٌ، وَقَدْ يُسْتَعْمَلُ فِي الْجِمَاعِ وَالْمَسِيسِ، فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَكُونَ حَقِيقَةً فِيهِمَا، وَلَا أَنْ يَكُونَ حَقِيقَةً فِي الْجِمَاعِ، لِأَنَّهُ بِالْمَسِيسِ أَخَصُّ وَأَشْهَرُ، فَصَارَ مَجَازًا فِي الْجِمَاعِ حَقِيقَةً فِي الْمَسِيسِ، وَالْحُكْمُ الْمُعَلَّقِ بِالِاسْمِ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ إِطْلَاقُهُ مَحْمُولًا عَلَى