وقد عملت أيدي جماعة من حكام المسلمين، أعظم البطولات في تخليص الأسرى وكف الأيادي المعتدية عليهم، فهذا الحكم بن هشام أمير الأندلس لما سمع أن امرأة مسلمة أخذت سبية، فنادت: واغوثاه يا حكم فعظم الأمر عليه، وجمع عسكره، واستعد وحشد وسار إلى بلد الفرنج سنة ست وتسعين ومائة، وأثخن في بلادهم، وافتتح عدة حصون، وخرب البلاد ونهبها وقتل الرجال وسبى النساء، وغنم الأموال، وقصد الناحية التي كانت بها تلك المرأة، حتى خلصها من الأسر، ثم عاد إلى قرطبة مظفرًا.
ولما رجع المنصور بن أبي عامر من إحدى غزواته في شمال الأندلس قابلته امرأة مسلمة على أبواب قرطبة، وقالت له: إن ابني أسير عند النصارى، ويجب عليك أن تفديه أو تأتي به، فما دخل المنصور قرطبة، بل عاد بجيشه حتى فك هذا الأسير.
وتاريخ المسلمين الصادقين، مليء بهذه المفاخر العظيمة، إنه الصدق والوفاء، والبر والإخاء عزائم مخلصة، وحكامٌ أفذاذ يعملون لشعوبهم ولو على حساب زوال ملكهم ويعيشون نكبات أمتهم، ويريبهم ما يريب أمتهم وشعوبهم، ولمثل هذا فليعمل العاملون، وفي ذلك فليتنافس المتنافسون.
ووجوب فك الأسرى من الأمور الظاهرة في الشريعة الإسلامية، وقد تواترت بذلك الأدلة، واتفق على ذلك الأئمة، وأجمع على ذلك المسلمون." [1]
[1] من مقال: "أمريكا، والأسرى" للشيخ سليمان العلوان.