... وليس هذا الحکم بمانع من أن بعض المصريين قد يجيب إجابة أخري أو لا يجب فأفراد البيئة اللغوية يخضعون في مجموعهم لنظام عام مطرد يألفونه، ويشيع بينهم؛ وکلما عرض لهم حدث من الأحداث اللغوية يتصرفون علي حسب هذا النظام فاللغوي يحکم عليهم کمجموعة لا کأفراد، أي لايختص فلانا بالذات بذلک الحکم، فلا يقول مثلا عن فلان هذا إنه حين يجيبه أحد الناس غدًا أو بمد غد شن المؤکد أن استجابته ستکون علي نحو معين. ولا يکاد يعني اللغوي بتلک الظروف الخصة، أو الحالة النفسة الخاصة التي قد تدفع متکلما معينا إلي النطي بغير المألوف من الکلام، بل يوجه عنايته إلي ذلک النظام العام الذي ينتظم کل الأفراد، والذي جرت به العادة في بيئة لغوية معينة. هب مثلا أن شخصا معينا في البيئة المصرية تعود لسبب ما أن ينطق بالتاء کالنطق الإنجليزي (أي بالتقاء طرف اللسان بأصول الثنايا العليا) ، أو أن في نطفه صفة الفأفأة أو التأتأة أو اللثغة، هنا لا يصح أن تتخذ هذه الحالة الخاصة مقاياسا للحکم علي سائر المصريين. أو هب مثلا أن شخصا آخر تعود أن يجيي الناس بالتحية الأجنبية «بنچور» لا يصح کذلک أن يعدّ هذا دليلا علي أن التحية في البيئة المصرية تسلک هذا المسلک.
... ولذا حين تسمع زائرًا لبلد من البلدان يحکم علي لغته حکما ما بعد فترة قصيرة، لا تسميه حينئذ متعجلا أو متسرعا في حکمه، بل نقبله علي أنه الحکم العام الذي ينطبق علي المجموع لا علي الأفراد کلا منهم علي حدة. فالزائر لمصر لايلبث بعد ومن قليل أن يدرک أن المصريين بوجه عام حين يطلب منهم شئ، ويعبرون عن استعدادهم لإجابة هذا الطلب يقولون «حاضر» ، ولکن هذا الزائر قد يحتاج ...إلي زمن أطول، وتجارب أکثر حتي يعثر علي أحد المصريين الذين يبدون نفس الاستمداد قائلين «ماشي» !!