فهرس الكتاب

الصفحة 12 من 34

وقدْ يُؤْتَى بهِ للإشارةِ إلى عِلَّةِ ما يُطْلَبُ منهُ نحوَ: يا غلامُ! أحْضِرِ الطعامَ. ويا خادِمُ! أسْرِجِ الفَرَسَ. أوْ لغَرَضٍ يمكِنُ اعتبارُه ههنا ممَّا ذُكِرَ في النداءِ.

(وأمَّا النكِرةُ) ، فَيُؤْتَى بها إذا لمْ يُعْلَمْ للمَحْكيِّ عنهُ جهةُ تعريفٍ، كقولِكَ: جاءَ ههنا رجلٌ، إذا لم يُعْرَفْ ما يُعيِّنُهُ منْ عِلْمٍ أوْ صِلَةٍ أوْ نحوِهما. وقدْ يُؤتَى بها لأغراضٍ أُخْرَى:

1 -كالتكثيرِ والتقليلِ، نحوَ: لفلانٍ مالٌ ورِضوانٌ من اللَّهِ أكبرُ، أيْ: مالٌ كثيرٌ ورِضوانٌ قليلٌ.

2 -والتعظيمِ والتحقيرِ، نحوَ:

لهُ حاجبٌ عنْ كلِّ أمْرٍ يَشينُهُ * وليسَ لهُ عنْ طالِبِ العُرْفِ حاجبُ

3 -والعمومِ بعدَ النفْيِ، نحوَ: {مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ} ؛ فإنَّ النكِرةَ في سياقِ النفيِ تَعُمُّ.

4 -وقَصْدِ فرْدٍ مُعَيَّنٍ أوْ نوعٍ كذلكَ، نحوَ: {وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ} .

5 -وإخفاءِ الأمْرِ، نحوَ: قالَ رجلٌ: إنَّكَ انْحَرَفْتَ عن الصوابِ. تُخْفي اسمَهُ حتَّى لا يَلْحَقَهُ أَذًى.

البابُ الخامسُ

في الإطلاقِ والتقْيِيدِ

إذا اقْتُصِرَ في الجملةِ على ذِكْرِ المسنَدِ والمسنَدِ إليه فالحكْمُ مطْلَقٌ، وإذا زِيدَ عليهما شيءٌ ممَّا يِتعلَّقُ بهما أوْ بأحدِهما فالحكْمُ مقيَّدٌ. والإطلاقُ يكونُ حيثُ لا يَتعَلَّقُ الغرَضُ بتقييدِ الحكْمِ بوجْهٍ من الوجوهِ؛ ليَذهبَ السامعُ فيهِ كلَّ مذْهَبٍ ممكِنٍ. والتقييدُ حيثُ يَتعلَّقُ الغرَضُ بتقييدِه بوجهٍ مخصوصٍ لوْ لمْ يُراعَ تَفُوتُ الفائدةُ المطلوبةُ. ولتفصيلِ هذا الإجمالِ نقولُ:

إنَّ التقييدَ يكونُ بالمفاعيلِ ونحوِها، والنواسِخِ، والشرْطِ، والنفيِ، والتوابِعِ، وغيرِ ذلكَ.

(أمَّا المفاعيلُ ونحْوَها) ، فالتقييدُ بها يكونُ لبيانِ نوعِ الفعلِ، أوْ ما وَقَعَ عليهِ، أوْ فيهِ، أوْ لأجْلِه، أوْ بمقارنَتِه، أوْ بيانِ المبْهَمِ من الهيئةِ والذاتِ، أوْ بيانِ عدَمِ شمولِ الحكْمِ. وتكونُ القيودُ مَحَطَّ الفائدةِ، والكلامُ بدونِها كاذبًا أوْ غيرَ مقصودٍ بالذاتِ، نحوَ: {وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ} .

(وأمَّا النواسخُ) ، فالتقييدُ بها يكونُ للأغراضِ التي تؤدِّيها معاني ألفاظِ النواسخِ، كالاستمرارِ والحكايةِ عن الزمَنِ في كانَ، والتوقيتِ بزمَنٍ معَيَّنٍ في: ظَلَّ وباتَ وأصْبَحَ وأَمْسَى وأَضْحَى، أوْ بحالةٍ معَيَّنَةٍ في دامَ، والمقاربةِ في كادَ وكَرِبَ وأوْشَكَ، واليقينِ في وَجَدَ وأَلْفَى ودَرَى وتَعَلَّمَ وهَلُمَّ جرًّا.

فالجملةُ في هذا تَنْعَقِدُ من الاسمِ والخبَرِ، أوْ من المفعولَيْنِ فقطْ، فإذا قُلْتَ: ظَنَنْتُ زيدًا قائمًا، فمعناهُ: زيدٌ قائمٌ على وجهِ الظَّنِّ.

(وأمَّا الشرْطُ) ، فالتقييدُ بهِ يكونُ للأغراضِ التي تؤَدِّيها معاني أدواتِ الشرْطِ، كالزمانِ في متى وأيَّانَ، والمكانِ في أينَ وأنَّى وحيْثُما، والحالِ في كيْفَما. واستيفاءُ ذلكَ وتحقيقُ الفرْقِ بينَ الأدواتِ يُذْكَرُ في علْمِ النَّحْوِ. وإنَّما يُفَرَّقُ ههنا بينَ إنْ وإذا ولوْ لاختصاصِها بمزايا تُعَدُّ منْ وجوهِ البلاغةِ، فإنَّ وإذا للشرْطِ في الاستقبالِ، ولوْ للشرْطِ في المضِيِّ. والأصْلُ في اللفظِ أنْ يَتْبَعَ المعنى، فيكونَ فِعْلًا مضارعًا معَ إنْ وإذا، وماضيًا معَ لوْ، نحوَ: {وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ} ، وإذا تُرَدُّ إلى قليلٍ تَقْنَعُ، {وَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ} .

والفرْقُ بينَ إنْ وإذا أنَّ الأصلَ عدَمُ الجزْمِ بوقوعِ الشرْطِ معَ إنْ، والجزْمُ بوقوعِه معَ إذا؛ ولهذا غَلَبَ استعمالُ الماضي معَ إذا، فكأنَّ الشرْطَ واقعٌ بالفعْلِ بخلافِ إنْ، فإذا قُلْتَ: إنْ أَبْرَؤُ منْ مرَضِي أتَصَدَّقْ بألْفِ دينارٍ، كُنْتَ شاكًّا في البُرْءِ. وإذا قُلْتَ: إذا بَرِئْتُ منْ مرَضِي تَصدَّقْتُ، كُنْتَ جازمًا بهِ أوْ كالجازمِ. وعلى ذلكَ فالأحوالُ النادرةُ تُذْكَرُ في حيِّزِ إنْ، والكثيرةُ في حَيِّزِ إذا. ومنْ ذلكَ قولُه تعالى: {فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هَذِهِ وَإِنْ تُصْبِهْمُ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ} ، فلكَوْنِ مجيءِ الحسنةِ محَقَّقًا؛ إذ المرادُ بها مُطْلَقُ الحسنةِ الشاملِ لأنواعٍ كثيرةٍ كما يُفْهَمُ من التعريفِ بأل الجنسيَّةِ، ذُكِرَ معَ إذا، وعُبِّرَ عنهُ بالماضي. ولكَوْنِ مجيءِ السيِّئةِ نادرًا؛ إذ المرادُ بها نوعٌ مخصوصٌ كما يُفْهَمُ من التنكيرِ وهوَ الجدْبُ، ذُكِرَ معَ إنْ وعُبِّرَ عنهُ بالمضارعِ. ففي الآيةِ مِنْ وَصْفِهِم بإنكارِ النِّعَمِ وشِدَّةِ التحامُلِ على موسى عليهِ السَّلامُ ما لا يَخْفَى.

ولوْ للشرطِ في المضِيِّ؛ ولذا يَلِيها الفعْلُ الماضي، نحوَ: {وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ} .

وممَّا تَقَدَّمَ يُعْلَمُ أنَّ المقصودَ بالذاتِ من الجملةِ الشرطيَّةِ هوَ الجوابُ، فإذا قُلْتَ: إن اجْتَهَدَ زيدٌ أكْرَمْتُهُ، كُنْتَ مُخْبِرًا بأنَّكَ ستُكْرِمُهُ، ولكنْ في حالِ حصولِ الاجتهادِ لا في عمومِ الأحوالِ. ويَتفرَّعُ على هذا أنَّها تُعَدُّ خبريَّةً أوْ إِنشائيَّةً باعتبارِ جوابِها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت