الصفحة 7 من 219

وقولُنا: وَإِشَارَةً ... إِلَخْ:

اعْلَمْ أَنَّ لَهُمْ مَقَامًا يُقَالُ لَهُ: الْفَنَاءُ ومقامًا يُقَالُ لَهُ: الْبَقَاءُ وَالْجَمْعُ وَالْفَرْقُ، ومقامًا يُقَالُ لَهُ: جَمْعُ الْجَمْعِ، ومقامًا يُقَالُ لَهُ: الْفَرْقُ الثَّانِي، ومقامًا يُقَال لَهُ: الْوَصْلُ، ومقامًا يُقَال: لَهُ وَصْلُ الْوَصْلِ.

فَأَمَّا الْمَقَامُ الْأَوَّلُ الَّذِي هُو الْفَنَاءُ فَهُوَ استغراقُ الْعَبْدِ فِي اللَّهِ حَتَّى لَا يَشْهَدَ شَيْئًا سِوَى ذَاتِ اللَّهِ, وَيُقَالُ لِصَاحِبِهِ: غريقٌ فِي بحارِ الأحدِيَّةِ، وَأَمَّا الْمَقَامُ الثَّانِي وَهُو الْبَقَاءُ فَهُوَ الرُّجُوعُ بَعْدَ الْفَنَاءِ إِلَى ثُبُوتِ الْآثَارِ بِشُهُودِ ذَاتٍ وصفاتِ الْمُؤَثِّرِ فِيهَا، وَيُقَالُ لِصَاحِبِهِ: غريقٌ فِي عَيْنِ بَحْرِ الْوَحْدَةِ, فَمُشَاهِدُ الأحدِيَّةِ مَشَاهِدٌ للذَّاتِ مُتَّصِفَةً بِالْأَسْمَاءِ والصفاتِ مُثْبِتًا للآثارِ جامعًا بَيْنَ الْحَقِّ وَالْخَلْقِ، وَهَذَا هُو الْكَمَالُ بِعَيْنِهِ فَلِذَلِكَ قَالُوا: لا بدَّ لِكُلِّ فَنَاءٍ مِن بَقَاءٍ, ومقامُ الْبَقَاءُ هَذَا هُو الْمُسَمَّى بِالْجَمْعِ وَالْفَرْقِ فَجَمْعُهُ شُهُودُهُ لِرَبِّهِ وَفَرْقِهِ شُهُودُهُ لِصَنْعِهِ.

وَأَمَّا جَمْعُ الْجَمْعِ فَهُوَ مَقَامٌ أَعْلَى مِن الْبَقَاءِ وَهُو أَنْ يَأْخُذَهُ الْحَقُّ بَعْدَ بقائِه فيُسْكِرَهُ فِي شُهُودِ ذاتِه تَعَالَى، فَيَصِيرَ مستَهْلَكًا بالكُلِّيَّةِ عَمَّا سِوَى اللَّهِ تَعَالَى، فَمِنْهُمْ مَن يَبْقَى بِهَذِهِ السَّكْرَةِ إِلَى الْمَوْتِ كالسيِّدِ الْبَدَوِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ؛ وَلِذَلِكَ قَالَ العارفونَ: إِنَّه جُذِبَ جَذْبَةً استغْرَقَتْهُ إِلَى الْأَبَدِ، وَمِنْهُمْ مَن يَرُدُّ إِلَى الصَّحْوِ عِنْدَ أَوْقَاتِ الْفَرَائِضِ وَالْقِيَامِ بِأُمُورِ الْخَلْقِ كالسيِّدِ الدُّسوقِيِّ وأضْرَابِهِ، وَمِنْهُمْ أَبُو البَرَكاتِ الشَّيْخُ الدَّرْدِيرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ فَيَكُونُ رجوعًا لِلَّهِ بِاللَّهِ لَا لِلْعَبْدِ بِالْعَبْدِ، وَهَذَا الرُّجُوعُ يُسَمَّى بِالْفَرْقِ الثَّانِي.

وأَمَّا الْوَصْلُ فَهُوَ تَلَذُّذُ الْقَلْبِ بِشُهُودِ الْحَقِّ بَعْدَ زَوَالِ الْحُجُبِ الظُّلْمَانِيَّةِ وَالنُّورَانِيَّةِ فَإِنْ دَامَ لَهُ الشُّهُودُ يُقَالُ لَهُ: وَصْلُ الْوَصْلِ، أَي: الْوَصْلُ الْكَامِلُ كقولِهم: سِرُّ السِّرِّ، وَعَيْنُ الْعَيْنِ؛ مُبَالَغَةً فِي كَمَالِ الشَّيْءِ، وَالشُّهُودُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: شُهُودُ أَفْعَالٍ وَشُهُودُ أَسْمَاءٍ وصفاتٍ، وَشُهُودُ ذَاتٍ، وَهُو أَعْلَى الرُّتبِ، قَالَ السَّيِّدُ الْبَكْرِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ:

كَمْ لَذَّةٍ فَاقَتْ عَلَى اللَّذَّاتِ تَجَلَّى عَلَيْنَا فِي تَجَلِّي الذَّاتِ

وَقَالَ ابْنُ الْفَارِضِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ:

فَيَارَبِّ بِالْخِلِّ الْحَبِيبِ مُحَمَّدٍ نَبِيِّكَ وَهُو السَّيِّدُ الْمُتَوَاضِعُ

أَنِلْنَا مَعَ الْأَحْبَابِ رُؤْيَتَكَ الَّتِي إِلَيْهَا قُلُوبُ الْأَوْلِيَاءِ تُسَارِعُ

وَقَالَ أيضًا:

وَإِذَا سَأَلْتُكَ أَنْ أَرَاكَ حَقِيقَةً فَاسْمَحْ وَلَا تَجْعَلْ جَوَابِي لَنْ تَرَى

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت