(وَالْعِلَّةُ: هِيَ الْجَالِبَةُ لِلْحُكْمِ) بِمُنَاسَبَتِهَا لَهُ. (وَالْحُكْمُ: هُوَ الْمَجْلُوبُ لِلْعِلَّةِ) ؛ لِمَا ذُكِرَ.
(وَأَمَّا الْحَظْرُ وَالإِبَاحَةُ؛ فَمِن النَّاسِ مَنْ يَقُولُ: إِنَّ الأَشْيَاءَ) بَعْدَ الْبَعْثَةِ (عَلَى الْحَظْرِ) ؛ أَيْ: عَلَى صِفَةٍ هِيَ الْحَظْرُ،(إِلَّا مَا أَبَاحَتْهُ الشَّرِيعَةُ، فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ فِي الشَّرِيعَةِ مَا يَدُلُّ عَلَى الإِبَاحَةِ يُتَمَسَّكُ بِالأَصْلِ، وَهُوَ الْحَظْرُ.
وَمِن النَّاسِ مَنْ يَقُولُ بِضِدِّهِ، وَهُوَ أَنَّ الأَصْلَ فِي الأَشْيَاءِ)بَعْدَ الْبَعْثَةِ (أَنَّهَا عَلَى الإِبَاحَةِ، إِلَّا مَا حَظَرَهُ الشَّرْعُ) .
وَالصَّحِيحُ التَّفْصِيلُ، وَهُوَ أَنَّ الْمَضَارَّ عَلَى التَّحْرِيمِ، وَالْمَنَافِعَ عَلَى الْحِلِّ.
أَمَّا قَبْلَ الْبَعْثَةِ فَلَا حُكْمَ يَتَعَلَّقُ بِأَحَدٍ؛ لانْتِفَاءِ الرَّسُولِ الْمُوصِلِ إِلَيْهِ.
(وَمَعْنَى اسْتِصْحَابِ الْحَالِ) الَّذِي يُحْتَجُّ بِهِ كَمَا سَيَأْتِي:
(أَنْ يُسْتَصْحَبَ الأَصْلُ) ؛ أَي: الْعَدَمُ الأَصْلِيُّ عِنْدَ (عَدَمِ الدَّلِيلِ الشَّرْعِيِّ) ، بِأَنْ لَمْ يَجِدْهُ الْمُجْتَهِدُ بَعْدَ البَحْثِ عَنْهُ بِقَدْرِ الطَّاقَةِ؛ كَأَنْ لَمْ يَجِدْ دَلِيلًا عَلَى وُجُوبِ صَوْمِ رَجَبٍ، فَيَقُولَ: لَا يَجِبُ؛ بِاسْتِصْحَابِ الْحَالِ؛ أَي: العَدَمِ الأَصْلِيِّ. وَهُوَ حُجَّةٌ جَزْمًا.
أَمَّا الاسْتِصْحَابُ الْمَشْهُورُ الَّذِي هُوَ: ثُبُوتُ أَمْرٍ فِي الزَّمَنِ الثَّانِي؛ لِثُبُوتِهِ فِي الأَوَّلِ، فَحُجَّةٌ عِنْدَنَا دُونَ الْحَنَفِيَّةِ؛ فَلَا زَكَاةَ عِنْدَنَا فِي عِشْرِينَ دِينَارًا نَاقِصَةٍ تَرُوجُ رَوَاجَ الْكَامِلَةِ بِالاسْتِصْحَابِ.
(وَأَمَّا الأَدِلَّةُ؛ فَيُقَدَّمُ الْجَلِيُّ مِنْهَا عَلَى الْخَفِيِّ) ؛ وَذَلِكَ كَالظَّاهِرِ وَالْمُؤَوَّلِ، فَيُقَدَّمُ اللَّفْظُ فِي مَعْنَاهُ الْحَقِيقِيِّ عَلَى مَعْنَاهُ الْمَجَازِيِّ. (وَالْمُوجِبُ لِلْعِلْمِ عَلَى الْمُوجِبِ لِلظَّنِّ) ؛ وَذَلِكَ كَالْمُتَوَاتِرِ وَالآحَادِ، فَيُقَدَّمُ الأَوَّلُ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ عَامًّا فَيُخَصَّ بِالثَّانِي كَمَا تَقَدَّمَ مِنْ تَخْصِيصِ الْكِتَابِ بِالسُّنَّةِ. (وَالنُّطْقُ) مِنْ كِتَابٍ أَوْ سُنَّةٍ (عَلَى الْقِيَاسِ) ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ النُّطْقُ عَامًّا فَيُخَصَّ بِالْقِيَاسِ كَمَا تَقَدَّمَ. (وَالْقِياسُ الْجَلِيُّ عَلَى الْخَفِيِّ) ؛ وَذَلِكَ كَقِيَاسِ الْعِلَّةِ عَلَى قِيَاسِ الشَّبَهِ، (فَإِنْ وُجِدَ فِي النُّطْقِ) مِنْ كِتَابٍ أَو سُنَّةٍ (مَا يُغَيِّرُ الأَصْلَ) ، أَي: العَدَمَ الأَصْلِيَّ الَّذِي يُعَبَّرُ عَن اسْتِصْحَابِهِ بِاسْتِصْحَابِ الْحَالِ، فَوَاضِحٌ أَنَّهُ يُعْمَلُ بِالنُّطْقِ. (وَإِلَّا) ؛ أَيْ: وَإِنْ لَمْ يُوجَدْ ذَلِكَ، (فَيُسْتَصْحَبُ الْحَالُ) ؛ أَي: الْعَدَمُ الأَصْلِيُّ؛ أَيْ: يُعْمَلُ بِهِ.
(وَمِنْ شَرْطِ الْمُفْتِي) ، وَهُوَ الْمُجْتَهِدُ، (أَنْ يَكُونَ عَالِمًا بِالْفِقْهِ أَصْلًا وَفَرْعًا، خِلافًا وَمَذْهَبًا) ؛ أَيْ: بِمَسَائِلِ الْفِقْهِ وَقَوَاعِدِهِ وَفُرُوعِهِ، وَبِمَا فِيهَا مِن الْخِلَافِ؛ لِيَذْهَبَ إِلَى قَوْلٍ مِنْهُ وَلَا يُخَالِفُهُ بِأَنْ يُحْدِثَ قَوْلًا آخَرَ؛ لاسْتِلْزَامِ اتِّفَاقِ مَنْ قَبْلَهُ بِعَدَمِ ذَهَابِهِمْ إِلَيْهِ عَلَى نَفْيِهِ.
(وَأَنْ يَكُونَ كَامِلَ الآلَةِ فِي الاجْتِهَادِ، عَارِفًا بِمَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ فِي اسْتِنْبَاطِ الأَحْكَامِ مِن النَّحْوِ وَاللُّغَةِ وَمَعْرِفَةِ الرِّجَالِ) الرَّاوِينَ لِلأَخْبَارِ؛ لِيَأْخُذَ بِرِوَايَةِ الْمَقْبُولِ مِنْهُمْ دُونَ الْمَجْرُوحِ، (وَتَفْسِيرِ الآيَاتِ الْوَارِدَةِ فِي الأَحْكَامِ، وَالأَخْبَارِ الْوَارِدَةِ فِيهَا) ؛ لِيُوَافِقَ ذَلِكَ فِي اجْتِهَادِهِ وَلَا يُخَالِفَهُ.
وَمَا ذَكَرَهُ مِنْ قَوْلِهِ: عَارِفًا، إِلَى آخِرِهِ، مِنْ جُمْلَةِ آلَةِ الاجْتِهَادِ. وَمِنْهَا مَعْرِفَتُهُ بِقَوَاعِدِ الأُصُولِ وَغَيْرِ ذَلِكَ.
(وَمِنْ شَرْطِ الْمُسْتَفْتِي: أَنْ يَكُونَ مِنْ أَهْلِ التَّقْلِيدِ؛ فَيُقَلِّدَ الْمُفْتِيَ فِي الْفُتْيَا) . فَإِنْ لَمْ يَكُن الشَّخْصُ مِنْ أَهْلِ التَّقْلِيدِ، بِأَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الاجْتِهَادِ؛ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَسْتَفْتِيَ كَمَا قَالَ. (وَلَيْسَ لِلْعَالِمِ) ؛ أَي: الْمُجْتَهِدِ، أَنْ يُقَلِّدَ؛ لِتَمَكُّنِهِ مِن الاجْتِهَادِ.
(وَالتَّقْلِيدُ: قَبُولُ قَوْلِ الْقَائِلِ بِلَا حُجَّةٍ) يَذْكُرُهَا.
(فَعَلَى هَذَا؛ قَبُولُ قَوْلِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -) فِيمَا يَذْكُرُهُ مِن الأَحْكَامِ (يُسَمَّى تَقْلِيدًا. وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: التَّقْلِيدُ: قَبُولُ قَوْلِ الْقَائِلِ وَأَنْتَ لَا تَدْرِي مِنْ أَيْنَ قَالَهُ) ؛ أَيْ: لَا تَعْلَمُ مَأْخَذَهُ فِي ذَلِكَ.