بينَهُمَا؛ فَلِذَا بَيَّنَ المصنِّفُ معنَاهُ العلميَّ في قولِهِ الآتِي: وأُصُولُ الفِقْهِ طُرُقُهُ إلى آخِرِهِ، وبيَّنَ هنا معنَاهُ الإضافيَّ؛ لتظهرَ المناسبةُ بينَهُمَا. ومدَحَ هذَا الفنَّ بأنَّ مَا هوَ منْ أَشْرَفِ العلومِ مَبْنِيٌّ عليْهِ ببَيَانِ معْنَى جُزْءَيْهِ؛ لأنَّهُ مُؤَلَّفٌ منهمَا.
(وَ) اللَّفْظُ (المُؤَلَّفُ) منْ لفظيْنِ أوْ أكثرَ (يُعْرَفُ) مِنْ حَيْثُ معنَاهُ (بمعرفةِ) معنى (ما أُلِّفَ) هُوَ (منْهُ) من الألفاظِ. ولمْ يُبْرِزْ هذَا الضَّميرَ معَ جَرَيَانِ الصِّلةِ على غيرِ مَا هِيَ لهُ جَرَيَانٌ على قَوْلِ الكُوفيِّينَ لظُهُورِ المرادِ هنا؛ وذلكَ لِتَوَقُّفِ معرفةِ الكلِّ على معرفةِ أجْزائِهِ، فلا بُدَّ منْ بيانِ معنى ما أُلِّفَ منْهُ إذَا كانَ غيرَ بَيِّنٍ؛ فلذَا قالَ: (فَالأَصْلُ) . لكنَّ اقتصارَهُ في بيانِ معناهُ على بيانِ معنى الجُزْأَيْنِ لَا يكفِي؛ لأنَّ لِمَعْنَاهُ جُزْءًا ثالثًا لمنزلةِ الصُّورةِ في نَحْوِ السَّريرِ لا يتِمُّ بدُونِهِ وهوَ الإِضَافَةُ؛ ولذَا قالَ العضدُ: إِنَّ لهُ؛ أيْ: لأصولِ الفقهِ، جزْءًا آخرَ كالصُّورَةِ وهيَ الإضافةُ، وإضافةُ اسمِ المعنى تُفيدُ اختصاصَ المضافِ بالمضافِ إليهِ باعتبارِ ما دلَّ عليهِ لفظُ المُضَافِ، تقولُ: مَكْتُوبُ زيدٍ، والمُرَادُ اختصاصُهُ بهِ لمكْتُوبٍ بيَّتَهُ لَهُ، بخلافِ اسمِ العيْنِ فإِنَّها؛ أيْ: إضافَتُهُ، تُفِيدُ الاختصاصَ مُطْلَقًا. فإذًا أُصُولَ الفقهِ أَدِلَّةُ العلمِ منْ حيثُ هيَ أنَّها أَدِلَّتُهُ. اهـ
ويُجَابُ بأنَّهُ تَرَكَهُ إمَّا لِعُسْرِ فَهْمِهِ على المُبْتَدِئِ المقصودِ بالذَّاتِ بهذهِ المُقَدِّمَةِ، وإمَّا للاستغناءِ عنْ بيانِهِ كمَا قالَ في التَّلويحِ. ويُحْتَاجُ إلى تعريفِ الإضافةِ؛ لأَنَّها بمنزلةِ الجزءِ الصُّوريِّ، إلَّا أنَّهمْ لمْ يتَعَرَّضُوا لهُ للعلمِ بأنَّ مَعْنَى إضافةِ المشتقِّ ومَا في معناهُ اختصاصُ المضافِ بالمضافِ إليهِ باعتبارِ مفهومِ المضافِ مثلًا دليلَ المسألةِ ما يَخْتَصُّ بهَا باعتبارِ كونِهِ دليلًا عليْهَا. فأصْلُ الفقهِ ما يختَصُّ بهِ منْ حيثُ إنَّهُ مبنيٌّ لهُ ومُسْتَنِدٌ إليهِ. انتهى.
ونَبَّهَ الشَّارحُ بقولِهِ: (الذِي هوَ مُفْرَدُ الجُزْءِ الأوَّلِ) ، على أنَّ المقصودَ بيانُ حقيقةِ كُلٍّ من الجُزْأَيْنِ دُونَ أفْرَادِهِمَا؛ لأنَّ الحقيقةَ هيَ الَّتِي يَتَوَقَّفُ على معْرِفَتِهَا معرفةُ حقيقةِ المُؤَلَّفِ منهَا الَّتِي هيَ المقصودُ بالذَّاتِ، فَبَيَّنَ معنى مُفْرَدِ الجزءِ الأوَّلِ لدلالتِهِ على الحقيقةِ دونَ نفسِهِ؛ لدلالتِهِ على الإفرادِ وعلى أنَّ المُصَنِّفَ لمْ يُهْمِلْ بيانَ الجزءِ الأوَّلِ كمَا قدْ يُتَوَهَّمُ منْ عَدَمِ التَّعْبِيرِ بالجَمْعِ الَّذِي هوَ الجزءُ الأوَّلُ بالحقيقةِ، وعلى تعلُّقِ هذَا الكلامِ بمَا قَبْلَهُ؛ فإنَّهُ قدْ يُغْفَلُ عنْ ذلكَ؛ حَيْثُ اختلفَ العُنوانُ؛ إِذْ عُنْوِنَ فيمَا سبقَ بالجُزْئِيَّةِ، وهنَا بالأصْلِيَّةِ.
والفَاءُ في قولِهِ: فالأصلُ، لِلتَّفْسِيرِ أوْ جَوَابِ شَرْطٍ مُقَدَّرٍ؛ أيْ: إِنْ أَرَدْتَ معرفةَ الجُزأَيْنِ المفردَيْنِ فنقولُ في بيانِهِمَا: الأصْلُ؛ أيْ: في اللُّغَةِ. وأمَّا في الاصْطِلاحِ فيُقَالُ للرَّاجِحِ وللْمُسْتَصْحَبِ وللقاعدَةِ وللدَّليلِ، وإنَّمَا عُرِّفَ الجزءُ الأوَّلُ بحَسَبِ اللُّغةِ، والثانِي بحسَبِ الاصْطِلاحِ كمَا سَيَأْتِي؛ لأنَّ ذلكَ أبْلَغُ في مَدْحِ هذَا الفَنِّ المقصودِ بالإشارةِ إليهِ منْ هذَا الكلامِ؛ لأنَّ فيهِ تصريحًا بابْتِنَاءِ خُصُوصِ الفقهِ بالمعنى الاصطلاحيِّ الَّذِي هوَ منْ أشْرَفِ العلومِ الشَّرْعِيَّةِ على هذا الفنِّ. وقدْ أوْضَحْنَا ذلكَ في الأصْلِ.
(ما) ؛ أيْ: شيْءٌ محسوسٌ أوْ معقولٌ، (بُنِيَ عَلَيْهِ غَيْرُهُ) منْ حيثُ إِنَّهُ بُنِيَ عليْهِ غيرُهُ. فخَرَجَ أَدِلَّةُ الفِقْهِ مثلًا منْ حيثُ تُبْنَى على عِلْمِ التَّوحيدِ؛ فإنَّها بهذَا الاعتبارِ فروعٌ لَا أُصُولٌ. وقيْدُ الحيْثِيَّةِ مُرَادٌ في تعريفِ الإضافيَّاتِ وإنْ حُذِفَ مِن اللَّفْظِ، فالمَحْسُوسُ (كَأَصْلِ الجدارِ) ، ولمَّا صَدَقَ أصلُ الجدارِ بأَرْضِهِ الحاملةِ لَهُ وكانَ المقصودُ التَّمثيلَ بنفْسِ أساسِهِ لإِفَادَةِ أنَّهُ منْ أَفْرَادِ الأصْلِ دَفْعًا لِتَوَهُّمِ خُرُوجِهِ عنْهَا؛ نَظَرًا لكَوْنِ الجدَارِ بِتَمَامِهِ يُعَدُّ شيئًا واحدًا أَصْلُهُ الأَرْضُ الحاملةُ لهُ، فَسَّرَهُ بقولِهِ: (أَيْ: أساسِهِ) ؛ أَيْ: أسْفَلِهِ. ولهذَا عبَّرَ في التَّلْويحِ بقولِهِ: وَابْتِنَاءُ أعالِي الجدارِ على أساسِهِ. اهـ
بَلْ قدْ يُقالُ: ينبغِي أنْ يكونَ كُلُّ جزءٍ من الجدارِ أصْلًا لِمَا علَاهُ من الأجزاءِ، وكذَا يُقالُ في قولِهِ: (وَأَصْلِ الشَّجَرَةِ؛ أَيْ: طَرَفِهَا الثَّابِتِ في الأرضِ) مثلًا. فالمرادُ بالجدارِ والشَّجرةِ أعلَاهُمَا؛ لأنَّهُ الَّذِي لهُ ذلكَ الأصْلُ، أوْ مَجْمُوعُهُمَا على حَذْفِ المضافِ؛ أَيْ: أصْلِ أعْلى الجدارِ وأصْلِ أعْلى الشَّجَرَةِ. والمعقولُ كأصلِ الحُكْمِ؛ أيْ: دليلِهِ وعِلَّتِهِ، وأصلِ المجازِ؛ أي: الحقيقةِ.