الصفحة 3 من 51

فينتقلُ من الدَّالِّ لمَدْلُولِهِ كمَا ينتقلُ من الورقاتِ لذلكَ الدَّالِّ الَّذِي هوَ النُّقُوشُ. لكنَّ دلالةَ النقوشِ على الألفاظِ بلَا واسطةٍ، وعلى المعانِي بواسطةِ الألفاظِ. وإمَّا بغَيْرِ واسطةٍ، كمَا في احتمالِ كونِهِ النُّقوشَ المخصوصةَ. ويَحْتَمِلُ أنَّهُ على حَذْفِ مضافٍ؛ أيْ: ذاتُ ورقاتٍ؛ للمُلابَسَةِ بينَ المشارِ إليهِ من المعانِي أو الألفاظِ أو النقُّوشِ مثلًا، وبينَ الورقاتِ بالمُجَاوَرَةِ ولوْ بواسطةٍ على وجهِ التَّخييلِ كما تقرَّرَ. ووَجْهُ الحملِ على أحدِ الوجهَيْنِ مُبَايَنَةُ الورقاتِ للمُشَارِ إليهِ مَعَ اسْتِحَالَةِ حَمْلِ أحدِ المُتَبَاينيْنِ على الآخَرِ حملًا هوَ هوَ.

وإنَّمَا صرَّحَ الشارحُ بقولِهِ: (قليلةٌ) ، معَ فهْمِهِ منْ قولِهِ: ورقاتٌ؛ لأنَّهُ جَمْعُ سلامةٍ مُنَكَّرٌ، وهوَ منْ جموعِ القلَّةِ؛ للتنَّصيصِ على استعمالِ هذَا الجمعِ في موضوعِهِ؛ لئلَّا يُتَوهَّمَ خُرُوجُهُ عنْهُ؛ إذْ قدْ يُستعملُ للكثرةِ.

وقولُهُ: (تَشْتَمِلُ) ، إمَّا صفةٌ لورقاتٍ، أوْ خبرٌ ثانٍ لهذهِ، أو استئنافٌ على الوجهِ الأوَّلِ في ورقاتٍ، وإِمَّا خبرٌ ثانٍ لهذهِ، أو استئنافٌ على الوجهِ الثَّانِي فيهِ؛ أيْ: تشتملُ هذِهِ أَو الورقاتُ على ما تقرَّرَ؛ أيْ: منْ حيثُ التَّصديقُ بهَا بناءً على أنَّها المعانِي، أوْ بمَدْلُولِهَا بواسطةٍ أوْ بغيرِهَا بناءً على أنَّها النُّقوشُ أو الألفاظُ.

(على معرفةِ) ؛ أيْ: على التَّصديقِ بكلِّ واحدٍ منْ (فُصُولٍ) ؛ أيْ: أنواعٍ من المسائلِ، يُسمَّى كُلُّ نوعٍ فصْلًا؛ لانفصالِهِ عنْ غيرِهِ بُمغايَرَتِهِ لهُ وتَّمَيُّزِهِ عنْهُ. كائنةً تلكَ الفصولُ (مِنْ) جُمْلَةِ (أُصُولِ الفقْهِ) ؛ أيْ: بَعْضِ الفنِّ المُسمَّى بهذَا الاسمِ. فَظَهَرَ بمَا تَقَرَّرَ صِحَّةُ الاشْتِمَالِ، وإِنْ تَبَايَنَ المُشارُ إليْهِ، ومعرفةُ الفصولِ، وامتنعَ اشتمالُ أحدِ المُتَبَايِنَيْنِ على الآخرِ، وظَهَرَ أيْضًا تغايُرُ المُشْتَمِلِ والمُشتَمَلِ عليْهِ بالإجمالِ والتَّفصيلِ.

ولمَّا كانَ تقليلُ الورقاتِ الذي أشارَ إليهِ المُصَنِّفُ وصَرَّحَ بهِ الشَّارحُ، أوْ تقليلُ الفصولِ المَفْهُومُ منْ تنكيرِهَا عُرفًا في نحوِ هذَا السِّياقِ مَظِنَّةَ تَوَهُّمِ حقارتِهَا بحيثُ لا ينتفعُ بهَا غيرُ المبتدئِ، دفعَ الشَّارحُ ذلكَ التَّوَهُّمَ بقولِهِ: (يَنْتَفِعُ بهَا) ؛ أيْ: بتلكَ الورقاتِ أوْ بتلكَ الفصولِ، (المُبْتَدِئُ) في هذَا الفنِّ يتَعَلَّمُ ما فيهَا بواسطةٍ أوْ بغيْرِهَا، والمرادُ بهِ ضعيفُ المعرفةِ في الْفَنِّ، (وغيرُهُ) وهوَ مَنْ عَدَاهُ؛ باستفادةِ مَا فيهَا أوْ تَذَكُّرِهِ انتفاعًا مُعْتَدًّا بهِ لجلالةِ فوائدِهَا وعِزَّةِ كثيرٍ منهَا.

ولمَّا كانَ المُتَبَادَرُ منْ قولِهِ: (وذلكَ) ، كونَ المُشَارِ إليهِ أُصولَ الفقهِ بالمعنى السَّابِقِ، وهوَ الفنُّ المخصوصُ الَّذِي هوَ المسائلُ المخصوصةُ مثلًا، وذلكَ غيرُ صحيحٍ، وإلَّا لَزِمَ تألُّفُ المسائلِ من الألفاظِ، وهوَ مُحالٌ، بيَّنَ الشَّارِحُ أنَّ المُشَارَ إليهِ أُصُولُ الفقهِ بمعنًى آخَرَ على طريقِ الاستخدامِ، وهوَ نفسُ لفظِ أُصُولِ الفقهِ؛ إذِ اللَّفظُ قدْ يُرادُ بهِ نفسُهُ لوَضْعٍ غيرِ قَصْدِيٍّ، حتَّى لَا يَلْزَمَ اشتراكُ سائِرِ الألفاظِ؛ إذْ شرطُهُ القَصْدِيُّ أوَّلًا بوَضْعٍ على ما بَيَّنَّاهُ في الأصْلِ، والقرينةُ الصَّارفةُ عن الظَّاهِرِ هيَ استحَالَتُهُ، فقالَ: (أَيْ: لفْظُ أُصُولِ الفِقْهِ) . وفي مُخَالَفَةِ المُصَنِّفِ الظَّاهِرَ بإيرادِ إشارةِ البعيدِ منْ قُرْبِ المُشَارِ إليهِ بحَسَبِ الظَّاهرِ رَمْزٌ إلى ذلكَ. (مُؤَلَّفٌ) ، قالَ السَّيِّدُ في حواشِي شَرْحِ المطالعِ: ثُمَّ المُرَكَّبُ والقولُ والمُؤَلَّفُ ألفاظٌ مترادفةٌ بحَسَبِ الاصطلاحِ المشهورِ، انتهى.

(منْ جُزْأَيْنِ) ، وقولُهُ: (أَحَدُهُمَا أُصُولٌ، وَالآخَرُ الْفِقهُ) ، بيانٌ لارتباطِ قَوْلِهِ الآتِي: فالأَصْلُ إلى آخِرِهِ، بقولِهِ: مِنْ جُزْأَيْنِ؛ لخفاءِ الارتباطِ باختلافِ العنوانِ في البيانِ والمُبَيَّنِ.

ولمَّا كانَ للمفردِ مَعَانٍ متعدِّدَةٌ لَا يتَأَتَّى بعضُهَا هُنَا بَيَّنَ الشَّارحُ المُرَادَ بقولِ المُصَنِّفِ: (مُفْرَدَيْنِ) ، بقولِهِ: (مِن الإفْرادِ) ؛ أيْ: مُشْتَقًّا أَوْ مأخوذًا منْهُ حالَ كونِهِ (مُقَابِلَ التَّركيبِ , لَا) مُقَابِلَ (التَّثْنِيَةِ والجَمْعِ) ؛ لأنَّ أحدَ الجُزْأَيْنِ جمعٌ، فلَا يكونُ مُفْرَدًا بهذَا المعنى. ولمْ يَقُلْ: ولَا الإضافةِ وشَبَهِهَا؛ فإنَّ مُقَابِلَهُمَا منْ معانِي الإفرادِ أيْضًا. والجزءُ الأوَّلُ هنا كمَا أنَّهُ جَمْعٌ مضافٌ أيضًا؛ لأنَّهُ في نفسِهِ وحينَ أَخْذِهِ للتَّأْلِيفِ لمْ يَكُنْ مُضافًا، وأيضًا فَالْمُتَبَادَرُ من الإِفرادِ مُقَابِلُ التَّثْنِيَةِ والجَمْعِ، فكانَ نَفْيُهُمَا هوَ المُهِمَّ. ولمَّا كانَ لفظُ أُصُولِ الفقهِ عَلَمًا للفنِّ المخصوصِ منقولًا منْ مُرَكَّبٍ إضافيٍّ، كانَ لهُ بكُلِّ اعتبارٍ معنًى، فناسَبَ بيانَ المعنييْنِ لتظهرَ المناسبةُ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت