الأصْلُ الأوَّلُ في الصفاتِ
الأصلُ في الصِّفاتِ: أنْ يُوصَفَ اللهُ بما وَصَفَ بهِ نفسَهُ وبما وَصَفَتْهُ بهِ رُسُلُهُ إثباتًا بلاَ تمثيلٍ، وتَنزيهًا بلاَ تعطيلٍ كما جَمَعَ اللهُ تعالى بينَهُمَا في قولهِ: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) [1] .
فقولُهُ: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ) نفيٌ مُتضمِّنٌ لكمالِ صفاتِهِ مُبْطلٌ لمنهَجِ أهلِ التَّمثيلِ، وقولُهُ: (وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) إثباتٌ لأسمائِهِ وصفاتِهِ وإبطالٌ لمنهَجِ أهلِ التَّحريفِ والتَّعطيلِ، فنُثْبِتُ ما أَثبتَهُ اللهُ لنفسِهِ ونَنفيِ مَا نَفَى اللهُ عنْ نفسِهِ منْ غيرِ تحريفٍ، ولا تعطيلٍ، ومنْ غيرِ تَكييفٍ، ولاَ تمثيلٍ. وهذا هوَ المنهَجُ السَّليمُ الواجبُ المَبْنِيُّ على العلْمِ والحكْمةِ والسَّدادِ في القولِ والاعتقادِ ولهُ دليلانِ أثريٌّ ونظَريٌّ، وإنْ شئتَ فقلْ سمعيٌّ وعقليٌّ.
أما الأثريُّ السَّمعيُّ فمنْهُ قولُهُ تعالى: (وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) [2] .
وقولُه: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) [3] . وقولُهُ: (فَلاَ تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ) [4] وقولُهُ: (وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا) [5] .
وأمَّا النَّظَرِيُّ العقليُّ فلأنَّ القولَ في أسماءِ اللهِ وصفاتِهِ منْ بابِ الخبرِ المحْضِ الذيِ لا يُمكِنُ للعقلِ إدراكُ تفاصيلِهِ فوَجبَ الوقوفُ فيهِ على مَا جاءَ بِهِ السَّمْعُ.
فَصْلٌ
والجمْعُ بينَ النَّفيِ والإثباتِ في بابِ الصِّفاتِ هوَ حقيقةُ التَّوحيدِ فيهِ وذلكَ لأنَّ التَّوحيدَ مصدرُ وَحَّدَ يُوَحِّدُ. وَلاَ يُمْكِنُ صدْقُ حقيقتِهِ إلاّ بنفيٍ وإثباتٍ، لأنَّ الاقتصارَ على النَّفيِ المحْضِ تعطيلٌ محْضٌ. والاقتصارَ على الإثباتِ المحْضِ لا يَمنعُ المشاركةَ.
مثالُ ذلكَ: لوْ قلتَ: ما زيدٌ بشجاعٍ فقدْ نَفيتَ عنهُ صفةَ الشَّجاعةِ وعطَّلْتَهُ منْهَا.
ولوْ قلتَ: زيدٌ شجاعٌ فقدْ أَثبتَّ لهُ صِفةَ الشَّجاعةِ لكنَّ ذلكَ لاَ يَمنعُ أنْ يكونَ غيرُهُ شجاعًا أيضًا.
ولوْ قلتَ: لا شُجاعَ إلا زيدٌ فقدْ أثْبَتَّ لهُ صفةَ الشجاعةِ، ونَفيْتَ أنْ يُشاركَهُ غيرُهُ فيهَا فكنتَ موحِّدًا لهُ في صفةِ الشَّجاعةِ.
إذنْ لاَ يُمكِنُ توحيدُ أحدٍ بشيءٍ إلا بالجمْعِ بينَ النَّفيِ والإثباتِ.
(1) سورة الشورى، الآية: 11.
(2) سورة الأعراف، الآية: 180.
(3) سورة الشورى، الآية: 11.
(4) سورة النحل، الآية: 74.
(5) سورة الإسراء، الآية: 36.