الصفحة 2 من 80

بِسمِ اللهِ الرَّحمنِ الرَّحيمِ

مقدِّمةٌ

إنَّ الحمدَ للهِ، نحمَدهُ، ونستعينُه، ونستغفرُهُ، ونتوبُ إليهِ، ونعوذُ باللهِ مِنْ شُرورِ أنفسِنا، ومنْ سيِّئاتِ أعمالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فلا مُضِلَّ لهُ، ومَنْ يُضْلِلْ فلا هاديَ لهُ، وأشهدُ أنْ لا إلهَ إلَّا اللهُ وحدَهُ لا شريكَ لهُ، وأشهدُ أنَّ محمَّدًا عبدُهُ ورسولُهُ، أرسلَهُ اللهُ تعالى بالهُدى، ودِينِ الحقِّ، فبَلَّغَ الرِّسالَةَ وأدَّى الأمانةَ، ونَصحَ الأمَّةَ، وجاهَدَ في اللهِ حقَّ جهادِهِ، وتَركَ أمَّتَه على مَحجَّةٍ بيضاءَ ليلُها كنهارِهَا لا يَزيغُ عَنْهَا إلَّا هالكٌ، فصلواتُ اللهِ وسلامُهُ عليهِ وعلى آلِهِ وأصْحابِهِ، وأئمَّةِ الهُدى منْ بعدِهِمْ، ومنْ تَبِعَهُمْ بإحسانٍ إلى يومِ الدِّينِ.

أمَّا بعدُ:

فإنَّ رسولَ اللهِ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، بَيَّنَ للنَّاسِ ما نُزِّلَ إليْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ بَيانًا كاملًا شاملًا في دقيقِ أمورِهِمْ، وجَليلِهَا، وظاهِرِهَا، وخَفيِّها حتَّى علَّمَهُمْ ما يَحتاجونَ إليْهِ في مآكِلِهِمْ، ومشارِبِهِمْ، ومناكِحِهِمْ، وملابِسِهِمْ، ومساكِنِهِمْ فعلَّمَهُمْ آدابَ الأكْلِ، والشُّرْبِ، والتَّخَلِّي مِنْهُمَا، وآدابَ النِّكاحِ، واللِّباسِ ودخولِ المَنْزِلِ، والخُروجِ منْهُ، كما علَّمَهُمْ ما يَحتاجونَ إِليْهِ في عِبادةِ اللهِ - عزَّ وجلَّ - كالطَّهارَةِ، والصَّلاةِ، والزَّكاةِ، والصَّومِ، والحَجِّ وغيرِ ذلكَ.

وما يَحتاجونَ إليْهِ في معامَلَةِ الخَلْقِ مِنْ بِرِّ الوالديْنِ، وصِلَةِ الأرْحامِ وحُسْنِ الصُّحْبَةِ والجِوارِ وغيرِ ذلكَ.

وَعلَّمَهُمْ كَيْفَ يَتعاملونَ بيْنَهُمْ في البَيْعِ، والشِّراءِ، والرَّهْنِ، والارْتِهانِ والتَّأْجيرِ، والاسْتِئجارِ، والهِبَةِ، والاتِّهابِ وغيرِ ذلكَ. حتَّى قالَ أَبُو ذَرٍّ -رضيَ اللهُ عَنْهُ -"لقدْ تُوُفِّيَ رَسَولُ اللهِ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ومَا طائِرٌ يُقَلِّبُ جَناحَيْهِ في السَّماءِ إلاَّ ذَكَرَ لَنَا مِنْهُ عِلْمًَا".

وفي صحيحِ مُسْلِمٍ عَنْ سَلْمانَ رضيَ اللهُ عَنْهُ أَنَّهُ قيلَ لهُ: قدْ علَّمَكُمْ نبيُّكُمْ كلَّ شيْءٍ حتَّى الخَراءَةَ؟ قالَ: أَجَلْ لقدْ نَهانَا أنْ نَستقبِلَ القِبلةَ بغائطٍ أو بَوْلٍ، وذَكرَ تمامَ الحديثِ. هذا فضْلًا عنْ أُسُسِ هذِهِ العِباداتِ، والأخلاقِ والمعامَلاتِ، وهي ما يَعتقدُهُ العِبادُ في إلههِمْ ومَعْبودِهِمْ في ذاتِهِ، وأسمائِهِ، وصفاتِهِ وأفعالِهِ، وما يَنشأُ عنْ ذلكَ منْ أحْكامِهِ الكونيَّةِ والشَّرْعيَّةِ المبْنِيَّةِ على بالغِ الحكْمةِ، وغايةِ الرَّحْمةِ فأخَذَ عنْهُ ذلكَ الصحابةُ مَعينًا صافيًا نقيًّا مبنيًّا على التَّوْحِيدِ الكاملِ المتضمِّن لِرُكْنَيْنِ أساسيَّيْنِ: نَفْيٌ، وإِثْباتٌ.

فأمَّا الإِثباتُ فهُوَ: إثباتُ ما يَجبُ للهِ تعالى مِنَ الرُّبوبِيَّةِ، والأُلوهِيَّةِ والأسماءِ والصفاتِ، والأفْعالِ.

وأمَّا النَّفْيُ فهَوَ: نفيُ مشاركَةِ غيرِ اللهِ تعالى للهِ فيما يَجبُ لَهُ.

ومَضى على ذلكَ التَّابِعونَ لهمْ بإحسانٍ مِمَّنْ أدْرَكوا زمنَ الصَّحابةِ أوْ جَاءُوا بعدَهُمْ مِنْ أئمَّةِ الهُدى المسْتحِقِّينَ لرِضَى اللهِ عزَّ وَجَلَّ حيْثُ يقولُ اللهُ تعالى: (وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) [1] . ثمَّ خلفَ خُلوفٌ عَمُوا عَن الحقِّ أو تَعامَوْا عنْهُ

(1) سورة التوبة، الآية: 100.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت