فَضَلُّوا، وأَضَلُّوا قُصورًا أو تقْصيرًا. أو عُدْوانًا وظُلمًا، فأحْدَثُوا في دينِ اللهِ تعالى ما ليْسَ منهُ في العقِيدَةِ، والعِبادةِ، والسلوكِ، وحرَّفُوا منْ أجْلِ ذلكَ نُصوصَ الكِتابِ والسنَّةِ، أو كذَّبُوهَا إنْ أمْكَنَهُمْ ذلكَ.
قالَ شيخُ الإِسلامِ ابنُ تَيميَّةَ: واعْلَمْ أنَّ عامَّةَ البِدعِ المتعلِّقةِ بالعلومِ والعباداتِ إنِّما وَقعَ في الأمَّةِ في أواخِرِ خلافةِ الخُلفاءِ الرَّاشدينَ كما أَخبرَ بِهِ النَّبِيُّ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، حيثُ قالَ:"مَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ بَعْدِي فَسَيَرى اخْتِلاَفًا كَثِيرًا فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ المُهْدِيِّينَ مِنْ بَعْدِي". - إلى أنْ قالَ - فَلمَّا ذَهبتْ دولةُ الخلفاءِ الرَّاشدينَ، وصارَ مُلْكًا ظهَرَ النَّقصُ في الأُمَراءِ فلا بُدَّ أنْ يَظهرَ أيضًا في أهلِ العلمِ والدِّينِ فحَدثَ في آخِرِ خلافةِ عليٍّ رضيَ اللهُ عنهُ بِدْعتَا الخوارجِ والرافضةِ إِذْ هيَ متعلِّقةٌ بالإِمامةِ والخلافةِ وتوابعِ ذلكَ من الأعمالِ والأحكَامِ الشَّرْعيَّةِ.
وكانَ مُلْكُ معاويةَ مُلكًا ورحْمةً، فلمَّا ذَهبَ وجاءتْ إمارةُ يزيدَ وجَرَتْ فيها فتنةُ قتْلِ الحُسَيْنِ بِالعراقِ، وفتنةُ أهلِ الْحَرَّةِ بالمدينَةِ وحَصَرُوا مكَّةَ لَمَّا قامَ عبدُ اللهِ بنُ الزُّبَيْرِ، ثمَّ ماتَ يزيدُ وتَفرَّقت الأُمَّةُ: ابنُ الزُّبيرِ بالحجازِ، وبنو الَحَكَمِ بالشَّامِ، ووَثبَ المختارُ بنُ أبي عُبَيْدٍ وغيرُه بالعراقِ وذلكَ في أواخرِ عصْرِ الصَّحابةِ وقدْ بَقِيَ فِيهمْ مثلُ عبدِ اللهِ بنِ عبَّاسٍ، وعبدِ اللهِ بنِ عمرَ، وجابرِ بنِ عبدِ اللهِ، وأبي سعيدٍ الخُدْرِيِّ وغيرِهمْ حدَثَتْ بِدْعةُ القدريَّةِ والمرْجئَةِ، فَردَّهَا بقايَا الصَّحابةِ .. معَ ما كانُوا يَردُّونَهُ همْ وغيرُهُمْ منْ بدعةِ الخوارجِ والروافِضِ.
وعامَّةُ ما كانتِ القدريَّةُ إذْ ذاكَ يَتكلَّمُونَ فيهِ أعمالُ العِبادِ، كما يَتكلَّمُ فيها المرْجِئَةُ فصارَ كلامُهُمْ في الطَّاعةِ والمعْصِيَةِ، والمُؤْمِنِ والفاسِقِ، ونحوِ ذلكَ منَ مَسائلِ الأسْماءِ والأحْكامِ والوَعْدِ والوَعيدِ، ولم يَتكلَّموا بعدُ في ربِّهِمْ، ولا في صفاتِهِ إلاَّ في أواخِرِ عصْرِ صغارِ التَّابِعينَ مِنْ حينِ أواخِرِ الدَّولةِ الأُمَوِيَّةِ حينَ شَرَعَ القرْنُ الثالثُ - تابعُوا التَّابِعينَ - يَنقرضُ أكثرُهُمْ. فإنَّ الاعتبارَ بالقرونِ الثلاثةِ بجُمْهورِ أهلِ القرنِ وهمْ وسَطُهُ. وجُمهورُ الصَّحابةِ انقرَضُوا بانقراضِ خلافةِ الخلفاءِ الأربعةِ حتى إنَّهُ لم يكنْ بَقِيَ من أهلِ بدرٍ إلا نفرٌ قليلٌ. وجُمهورُ التابعينَ بإحسانٍ انقرَضُوا في أواخِرِ عصْرِ أصاغِرِ الصَّحابةِ في إمارةِ ابنِ الزُّبَيْرِ وعبدِ المَلِكِ. وجُمهورُ تابِعِي التابعين في أواخِرِ الدَّولةِ الأمويَّةِ وأوائِلِ الدَّولةِ العبَّاسيَّةِ وصارَ في وُلاةِ الأمورِ كثيرٌ منَ الأعاجمِ وخَرجَ كثيرٌ منَ الأمورِ عنْ وِلايةِ العربِ وعُرِّبَتْ بعضُ الكتُبِ العَجَميَّةِ منْ كتُبِ الفُرْسِ، والهنْدِ، والرومِ وظهَرَ ما قالَهُ النبيُّ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ،"ثُمَّ يَفْشُوا الكَذِبُ حتَّى يَشْهَدَ الرَّجُلُ وَلاَ يُسْتَشْهَدُ وَيَحْلِفَ وَلاَ يُسْتَحْلَفُ".
حدَثَ ثلاثةُ أشياءٍ: الرأيُ، والكلامُ، والتصوُّفُ.
وحدَثَ التَّجهُّمُ وهوَ نَفيُ الصِّفاتِ وبإزائِهِ التَّمثيلُ - إلى أنْ قالَ - فإنَّ معرفةَ أُصولِ الأشياءِ ومبادئِهَا ومعرفةَ الدِّينِ وأصْلِهِ، وأصْلِ ما تُولَدُ فيهِ من أعْظَمِ العلومِ نَفْعًا إذ المرءُ ما لمْ يُحِطْ عِلْمًا بحقائقِ الأشياءِ التي يَحتاجُ إليْهَا يَبْقى في قَلْبِهِ حَسَكَةٌ اهـ [1] .
وقالَ ابنُ القَيِّمِ - رحِمهُ اللهُ تعالى: بِدعةُ القدَرِ أَدرَكَتْ آخِرَ عصْرِ الصَّحابةِ فأنْكَرهَا منْ كانَ منْهُمْ حَيًّا كعبدِ اللهِ بنِ عمرَ، وابنِ عباسٍ وأمثالِهُما - رضِيَ اللهُ عنهُمْ - ثمَّ حدَثَتْ بِدعةُ الإِرْجاءِ بعدَ انقراضِ عصْرِ الصَّحابةِ فتَكلَّمَ فيهَا كِبارُ التابعينَ الذينَ أَدرَكوهَا، ثمَّ حدَثتْ بِدعةُ التَّجهُّمِ بعدَ انقراضِ عصْرِ التابعينَ واستفْحلَ أمْرُهَا واستطارَ شَرُّهَا في زمنِ الأَئمَّةِ كالإمامِ أحمدَ
(1) 10/ 354 - 368 م ف ق.