فهرس الكتاب

الصفحة 3 من 4

وتَمامُ هذا أن تَعْرِفَ أن المشركين الذين قاتَلَهم رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كانوا يَدْعُون الصالحين - مِثْلَ الملائكةِ وعيسى وأمِّه وعُزَيْرٍ وغيرِهم من الأولياءِ - فكَفَروا بهذا مع إقرارِهم بأنَّ اللهَ سبحانَه هو الخالقُ الرازقُ المدبِّرُ.

إذا عرَفْتَ هذا عَرَفْتَ معنى (( لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ ) )وعرَفْتَ أن مَن نَخَا نبيًّا أو مَلَكًا أو نَدَبَه أو استغاثَ به فقد خَرَجَ من الإسلامِ، وهذا هو الكفْرُ الذي قاتَلَهم عليه رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

فإنْ قالَ قائلٌ من المشركين: نحن نعرِفُ أنَّ الله هو الخالقُ الرازقُ المدبِّرُ، لكن هؤلاءِ الصالحون مُقَرَّبون، ونحن نَدعوهم ونَنذِرُ لهم ونَدخُلُ عليهم ونَستغيثُ بهم ونُريدُ بذلك الوَجاهةَ والشفاعةَ، وإلا فنحن نَفهَمُ أنَّ اللهَ هو الخالقُ الرازقُ المدبِّرُ. فقُلْ: كلامُك هذا مذْهَبُ أبي جهْلٍ وأمثالِه، فإنهم يَدْعُون عِيسى وعُزَيْرًا والملائكةَ والأولياءَ يُريدون ذلك كما قالَ تعالى: {وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللهِ زُلْفَى} . وقالَ تعالى: {وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاَءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللهِ} . فإذا تأمَّلْتَ هذا تأمُّلًا جَيِّدًا وعَرَفْتَ أن الكفَّارَ يَشْهَدون للهِ بتوحيدِ الربوبيَّةِ - وهو تَفرُّدُه بالخلْقِ والرزقِ والتدبيرِ - وهم يَنْخُونَ عيسى والملائكةَ والأولياءَ, يَقصِدون أنهم يُقَرِّبونَهم إلى اللهِ زُلْفى ويَشفعون لهم عندَه، وعَرَفْتَ أنَّ من الكفَّارِ - خصوصًا النَّصارى منهم - من يَعْبُدُ اللهَ الليلَ والنهارَ ويَزْهَدُ في الدنيا ويَتصدَّقُ بما دَخَلَ عليه منه مُعْتَزِلًا في صَوْمَعَةٍ عن الناسِ، وهو مع هذا كافِرٌ عدُوٌّ للهِ مُخَلَّدٌ في النارِ بسببِ اعتقادِه في عيسى أو غيرِه من الأولياءِ يَدعوه أو يَذبحُ له أو يَنذِرُ له - تَبَيَّنَ لك كيفَ صفةُ الإسلامِ الذي دعا إليه نبيُّك مُحَمَّدٌ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وتَبَيَّنَ لك أنَّ كثيرًا من الناسِ عنه بمَعْزِلٍ، وتَبَيَّنَ لك معنى قولِه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( بَدَأَ الْإِسْلَامُ غَرِيبًا وَسَيَعُودُ غَرِيبًا كَمَا بَدَأَ ) ).

فاللهَ اللهَ يا إخواني، تَمَسَّكوا بأصْلِ دينِكم، وأوَّلِه وآخِرِه - وأُسُّهُ ورأسُهُ شهادةُ أن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، واعْرِفوا معناها وأَحِبُّوها وأَحِبُّوا أهلَها واجْعَلُوهم إخوانَكم, ولو كانوا بعيدين، واكْفُروا بالطواغيتِ وعادُوهم وأَبْغِضُوهم وأَبْغِضُوا مَن أَحَبَّهم أو جَادلَ عنهم أو لم يُكَفِّرْهم أو قالَ: ما عليَّ منهم, أو قالَ: ما كَلَّفَنيَ اللهُ بهم. فقد كَذَبَ هذا على اللهِ وافْتَرَى، فقد كَلَّفه اللهُ تعالى بهم وافْتَرَضَ عليه الكفْرَ بهم والبراءةَ منهم, ولو كانوا إخوانَهم وأولادَهم، فاللهَ اللهَ يا إخواني تَمَسَّكُوا بذلك لعلَّكم تَلْقَوْنَ ربَّكُم وأنتم لا تُشْرِكون به شيئًا. اللَّهُمَّ تَوَفَّنَا مسلمين وأَلْحِقْنا بالصالحين.

ولْنَخْتِم الكلامَ بآيةٍ ذَكَرَها اللهُ تعالى في كتابِه تُبَيِّنُ لك أن كُفْرَ المشركين من أهْلِ زمانِنا أعْظَمُ من كفْرِ الذين قاتَلَهم رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. قالَ اللهُ تعالى: {وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ، فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الْإِنْسَانُ كَفُورًا} فقد ذَكَرَ اللهُ عن الكفَّارِ أنهم إذا مَسَّهُمُ الضُّرُّ تَرَكوا السادةَ والمشايخَ فلم يَدْعُوا أحدًا منهم ولم يَستغيثوا به، بل يُخْلِصون للهِ وحدَه لا شريكَ له، ويَستغيثون به وَحدَه، فإذا جاءَ الرخاءُ أَشْرَكوا. وأنت تَرَى المشركين من أهلِ زمانِنا - ولعلَّ بعضَهم يَدَّعِي أنه من أهلِ العلْمِ وفيه زهْدٌ واجتهادٌ وعِبادةٌ - إذا مَسَّه الضُّرُّ قامَ يَستغيثُ بغيرِ اللهِ مثلَ معروفٍ أو عبدِ القادرِ الجيلانيِّ, وأجَلَّ من هؤلاءِ مِثلِ زيدِ بنِ الخطَّابِ والزبيرِ، وأجَلَّ من هؤلاءِ مثلَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فاللهُ الْمُستعانُ. وأعظَمُ من ذلك وأَطَمُّ أنهم يَستغيثون بالطواغيتِ والكفَرَةِ والْمَرَدةِ مثلَ شَمسانَ وإدريسَ (( ويُقالُ له: الأشقرُ ) )ويوسفَ وأمثالِهم، واللهُ سبحانه وتعالى أعْلَمُ.

والحمدُ للهِ أوَّلًا وآخِرًا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت