فهرس الكتاب

الصفحة 2 من 4

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

الحمدُ لِوَلِيِّهِ، والصلاةُ والسلامُ على نَبِيِّه

سُئِلَ الشيخُ محمَّدٌ رَحِمَه اللهُ تعالى عن معنى لا إلهَ إلَّا اللهُ، فأَجابَ بقولِه: اعْلَمْ رَحِمَكَ اللهُ تعالى أن هذه الكلمةَ هي الفارِقةُ بينَ الكفْرِ والإسلامِ، وهي كلمةُ التقوى، وهي العُرْوةُ الوُثْقَى، وهي التي جَعَلَها إبراهيمُ عليه السلامُ كلمةً باقيةً في عَقِبِه لعلَّهم يَرجِعون. وليس المرادُ قولَها باللسانِ مع الجهْلِ بمعناها، فإنَّ المنافقين يَقولونها وهم تحتَ الكفَّارِ في الدَّرْكِ الأسفلِ من النارِ، مع كونِهم يُصَلُّون ويَتَصَدَّقون. ولكنَّ المرادَ قولُها مع معرفتِها بالقلْبِ، ومحبَّتِها ومَحبَّةِ أهلِها وبُغضِ مَن خالَفَها ومعاداتِه، كما قالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ مُخْلِصًا ) )وفي روايةٍ (( خَالِصًا مِنْ قَلْبِهِ ) )وفي روايةٍ (( صَادِقًا مِنْ قَلْبِهِ ) )وفي حديثٍ آخَرَ: (( مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَكَفَرَ بِمَا يُعْبَدُ مِنْ دُونِ اللهِ ) )إلى غيرِ ذلك من الأحاديثِ الدالَّةِ على جَهالةِ أكثرِ الناسِ بهذه الشَّهادةِ. فاعلَمْ أن هذه الكلمةَ نَفْيٌ وإثباتٌ؛ نَفْيُ الإلهيَّةِ عمَّا سِوى اللهِ سبحانَه تعالى من الْمُرْسَلين حتى مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, ومن الملائكةِ حتى جبريلَ, فَضْلًا عن غيرِهما من الأنبياءِ والصالحين، (( وإثباتُها للهِ عَزَّ وَجَلَّ ) ).

إذا فَهِمْتَ ذلك فتَأَمَّل الألوهيَّةَ التي أَثْبَتَها اللهُ تعالى لنفسِه ونفاها عن مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وجبريلَ وغيرِهما أن يكونَ لهم منها مِثقالُ حَبَّةٍ من خَرْدَلٍ. فاعلَمْ أن هذه الألوهيَّةَ هي التي تُسَمِّيها العامَّةُ في زمانِنا السِرَّ والولايةَ. والإلهُ معناه الوليُّ الذي فيه السِّرُّ، وهو الذي يُسمُّونَه الفقيرَ والشيخَ وتُسَمِّيه العامَّةُ السيِّدَ وأَشباهَ هذا, وذلك أنهم يَظُنُّون أنَّ اللهَ جَعَلَ لِخَواصِّ الْخَلْقِ عندَه منزلةً يَرْضَى أن يَلْتَجِئَ الإنسانُ إليهم ويَرْجُوَهم ويَسْتَغِيثَ بهم ويَجْعَلَهم واسِطةً بينَه وبينَ اللهِ.

فالذين يَزعُمُ أهلُ الشرْكِ في زمانِنا أنهم وَسائطُهم الذين يُسمِّيهم الأوَّلون الآلهةَ، والواسطةُ هو الإلهُ، فقَوْلُ الرجُلِ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ. إبطالٌ للوسائطِ.

وإذا أرَدْتَ أن تَعرِفَ هذا معرفةً تامَّةً فذلك بأمرين:

الأوَّلُ: أن تَعرِفَ أن الكفَّارَ الذين قاتَلَهم رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وقَتَلَهم وأَباحَ أموالَهم واستَحَلَّ نساءَهم كانوا مُقِرِّينَ للهِ سبحانَه بتوحيدِ الربوبيَّةِ، وهو أنه لا يَخْلُقُ ولا يَرزُقُ ولا يُحْيِي ولا يُميتُ ولا يُدَبِّرُ الأمورَ إلا اللهُ وحدَه. كما قالَ تعالى: {قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمْ مَنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ، فَسَيَقُولُونَ اللهُ} . وهذه مسألةٌ عظيمةٌ جليلةٌ مُهمَّةٌ وهي أن تَعرِفَ أن الكفَّارَ الذين قاتَلَهم رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شاهدون بهذا كلِّه ومُقِرُّون به، ومع هذا لم يُدْخِلْهم ذلك في الإسلامِ، ولم يُحَرِّمْ دماءَهم ولا أموالَهم, وكانوا أيضًا يَتَصَدَّقُون وَيَحُجُّون ويَعْتَمِرون ويَتعبَّدُون ويَتْرُكون أشياءَ من المحَرَّماتِ خَوْفًا من اللهِ عَزَّ وَجَلَّ. ولكنَّ الأمرَ الثاني هو الذي كفَّرَهم وأحَلَّ دماءَهم وأموالَهم، وهو: أنهم لم يَشْهَدوا للهِ بتوحيدِ الألوهيَّةِ, وتوحيدُ الإلهيَّةِ هو أن لا يُدْعَى ولا يُرْجَى إلا اللهُ وحدَه لا شريكَ له، ولا يُسْتَغاثَ بغيرِه، ولا يُذْبَحَ لغيرِه, ولا يُنذَرَ لغيرِه لا لِمَلَكٍ مقَرَّبٍ, ولا نَبِيٍّ مُرْسَلٍ، فمَن استغاثَ بغيرِه فقد كَفَرَ، ومن ذَبَحَ لغيرِه فقد كَفَرَ، ومَن نَذَرَ لغيرِه فقد كَفَرَ, وأشباهُ ذلك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت