الصفحة 2 من 32

بسمِ اللَّهِ الرحمنِ الرحيمِ

وصلَّى اللَّهُ على سيِّدِنَا محمَّدٍ وصحْبِهِ وسلَّمَ.

يقولُ أفقرُ الخلقِ إلى المعبودِ بالحقِّ، المُشْفِقُ منْ خَلَلِهِ المأثورِ، عبدُ اللَّهِ محمَّدُ بنُ قاسمِ بنِ محمَّدِ بنِ عبدِ الواحدِ، عُرِفَ بابنِ زَاكُورَ رحمهُ اللَّهُ تعالى.

الحمدُ للَّهِ الذي جعلَ معرفةَ كلامِ العربِ، منْ أقوى دواعي الطربِ، منْ أجلِ أنَّهُ أحلى من الضَّرَبِ، على أنَّ الناسَ في ذوْقِهِ مُتَفَاوِتُو الرتَبِ، وصلَّى اللَّهُ على نبِيِّنَا محمَّدٍ أفصحِ العربِ قاطبةً؛ فإنَّهُ بلغَ مشارقَ البيانِ ومغاربَهُ، واسْتَرَقَّ سارِيَهُ وسارِبَهُ، فلو اجتمعت الإنسُ والجنُّ على أنْ يأْتُوا بمثلِ فصَاحَتِهِ لمْ يأْتُوا بمِثْلِهَا ولوْ ظاهرَ صاحبٌ منهم صاحِبَهُ، ولكانتْ نسبةُ كلامِهِمْ منْ كلامِهِ عليهِ أفضلُ صلاةِ اللَّهِ وعلى آلهِ وصحْبِهِ وأزكى سلامِهِ، وإنْ قادُوا البيانَ بخطَامِهِ، وأفرَغُوا السحرَ في قالبِ نثْرِهِ ونظامِهِ، نسبةَ التُّرْبِ من التِّبْرِ، والخشبِ من الذهبِ.

ومعَ هذا فإنَّ معرفةَ كلامِهِم وسيلةٌ إلى معرفةِ كلامِهِ وما أُنْزِلَ عليهِ وسببٌ، فكانتْ لذلكَ منْ أعظمِ الوسائلِ وأجلِّ القُرَبِ. فلذلكَ ما شرَحْتُ لامِيَّةَ العربِ، وأجْلَسْتُهَا من البيانِ على مُرْتَقَبٍ، وكشَفْتُ عنْ وجْهِها الذي طَالَمَا قد انْتَقَبَ، مُقْتَصِرًا في إبداءِ معناها الذي قد احْتَجَبَ، على ما قدْ تعَيَّنَ من القولِ ووجبَ، فجاءَ شرحًا كثيرَ العجبِ، ناقِعًا لغُلَلِ أهلِ الأدبِ، فسمَّيْتُهُ: تفريجَ الكُرَبِ عنْ قلوبِ أهلِ الأَرَبِ في معرفةِ لامِيَّةِ العربِ. فَرَّجَ اللَّهُ تعالى كُرُوبَنَا وغفرَ ذُنُوبَنَا، وجبرَ بمعْرِفَتِهِ قُلُوبَنَا.

قالَ الشَّنْفَرَى عمْرُو بنُ مالكٍ الأَزْدِيُّ:

1 -أَقِيموا بني أُمِّي صدورَ مطِيِّكُم فإنِّي إلى قومٍ سِوَاكُم لأَمِيلُ

(1/ب) المطيُّ كالمَطَايَا، جمعُ مطيَّةٍ، وهيَ: الدَّابَّةُ تَمْطُو في سَيْرِها، أيْ: تَجِدُّ وتُسْرِعُ. وإقامةُ صدورِ المطيِّ: إعمالُها في السيرِ، والتوَجُّهُ بها إلى وِجْهةٍ، وقدْ يُقصدُ بهِ الجِدُّ في الأمرِ، والانتباهُ من الغفلةِ، فيكونُ تمثيلًا على سبيلِ الاستعارةِ، وهذا هوَ المرادُ هنا كما قيلَ، وهوَ الظاهرُ، وأصْلُهُ في الراكبِ ينامُ على راحلتِهِ فتنحرفُ بهِ عن القصدِ، فيقالُ لهُ: أقمْ صَدْرَ مطِيَّتِكَ؛ أي: انتَبِهْ منْ نومِكَ. والميلُ إلى الشيءِ: الانحرافُ إليهِ بالقلبِ، والأمْيَلُ: الأشدُّ مَيْلًا، وبنو أُمِّهِ، قيلَ: همْ فَهْمٌ وعَدْوَانُ. والقومُ سِوَاهُم رهْطُهُ من الأزدِ، وكانَ نازلًا في بني أُمِّهِ، فَعُيِّرَ، فرحلَ إلى قومِهِ، وهذا التَّعْيِيرُ سببُ قوْلِهِ القصيدةَ.

والمعنى: جِدُّوا يا بني أُمِّي في أمْرِكُم؛ فإنَّكم غارُّونَ، وانْتَبِهُوا؛ فإنَّكُم نائمونَ عنْ شَأْنِي الذي هوَ غيرُ شَأْنِكُم، وبمراحلَ عمَّا تتوهَّمُونَهُ منْ مَيْلِي إليكم لكَوْنِي نازلًا فيكم؛ فإنَّنِي أشدُّ مَيْلًا إلى قومٍ غيْرِكُم، أيْ: مَيْلِي إليهم أكثرُ منْ مَيْلِي إليكم وإنْ كنتُ بعيدًا منهم، وهوايَ معهم وإنْ لمْ أكُنْ فيهم. وهذا إنذارٌ لبني أُمِّهِ برحِيلِهِ عنهم، ثمَّ قالَ:

2 -فقدْ حُمَّت الحاجاتُ والليلُ مُقْمِرٌ وشُدَّتْ لِطَيَّاتٍ مَطَايا وأرْحُلُ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت