فينبغي أن نستعمل في مطلوب ما طريقًا شأنه أن يفضي بنا إلى اليقين ونسلك في مطلوب آخر طريقًا نصير منها إلى ما هو مثاله أو خياله أو طريقًا يفضي بنا إلى الإقناع فيه والظن فلا نشعر فيه. ويكون عندنا أن الطريق هو واحد بعينه وأن الذي سلكناه في الثاني هو الذي سلكناه في الأول وعلى هذه نجد الأمر في أكثر أحوالنا وفي جل من نشاهد من النار والفاحصين. فيتبين من ذلك أنا مضطرون قبل أن نشرع في الفحص عن المطلوبات إلى أن نعرف أن هذه الطرق كلها صناعية وإلى علمٍ نميز به بين هذه الطرق المختلفة بفصول وعلامات تخص واحدة منها واحدة من تلك الطرق وأن تكون قرائحنا العلمية المفطورة فينا بالطبع مقومة بصناعة تعطينا علم هذه إذ كانت فطرتها غير كافية في تمييز هذه الطرق بعضها عن بعض وذلك أن تتيقن بأي شرائط وأحوال ينبغي أن
تكون المقدمات الأول وبأي ترتيب ترتب حتى تفضي لا محالة بالفاحص إلى الحق نفسه وإلى اليقين فيه. وبأي شرائط وأحوال تكون المقدمات الأول وبأي ترتيب ترتب فلا تعطي في المطلوب الظن والإقناع حتى توهم أنه يقين من غير أن يكون يقينًا فتضلل الفاحص عن الحق أو تحيره فيه حتى لا يدري أيما هو الحق من مطلوبه فتفضي بالفاحص لا إلى الحق نفسه بل إلى مثال الحق وخياله.
فإذا عرفنا هذه كلها شرعنا حينئذ في التماس علم الموجودات. إما بفحصنا نحن بأنفسنا وإما بتعليم غيرنا لنا. فإننا إنما ندري كيف الفحص وكيف التعليم والتعلم بمعرفة الأشياء التي ذكرناها. وبهذه القوة نقدر أن نميز فيما استنبطنا نحن هل هو يقين أو ظن أو هو الشيء نفسه أو خياله ومثاله. وكذلك أيضا نمتحن بما قد تعلمناه من غيرنا وما نعلمه نحن غيرنا.
والمعلومات الأول في كل جنس من الموجودات إذا كانت فيها الأحوال والشرائط التي تفشي لأجلها بالفاحص إلى الحق اليقين فيما يطلب عمله من ذلك الجنس فهي مبادئ التعليم في ذلك لجنس. وإذا كانت للأنواع التي يحتوي عليها ذلك الجنس أو لكثير منها أسباب بها أو عنها أو لها وجود تلك الأنواع التي يحتوي عليها ذلك الجنس فهي مبادئ الوجود لما يشتمل عليه ذلك الجنس مما يطلب معرفته كانت مبادئ التعليم فيه هي بأعيانها مبادئ الوجود.