الصفحة 5 من 74

وقد جمع الدارقطني إلى الحديث والقراءات معرفة الفقه، أشاد بذلك الخطيب البغداديُّ في ذكره الفنون التي برع فيها، فقال: «ومنها المعرفةُ بمذاهبِ الفقهاء، فإن كتابَ"السُّنَن"الذي صنَّفَه يدلُّ على أنه كان ممَّن اعتنى بالفقه؛ لأنه لا يَقْدِرُ على جمع ما تضمَّن ذلك الكتابُ إلا من تقدَّمَت معرفتُه بالاختلاف في الأحكام، وبلغَني أنه درس فقهَ الشافعيِّ على أبي سعيد الإِصْطَخْري، وقيل: بل درسَ الفقه على صاحبٍ لأبي سعيد، وكتب الحديثَ عن أبي سعيدٍ نفسه» (1) .

ومن العلوم التي حُظِيَ الدارقطني منها بنصيب: اللغة والنَّحو والأدب والشِّعر؛ فقد روى الخطيبُ البغداديُّ (2) عن الأزهريِّ: أن أبا الحسن لما دخل مِصْرَ كان بها شيخٌ عَلَوِيٌّ من أهل مدينة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقالُ له: مسلم بن عُبَيدالله، وكان عنده كتابُ"النَّسَب"عن الخضر بن داود، عن الزُّبَير بن بَكَّار، وكان مسلمٌ أحدَ الموصوفينَ بالفَصاحة، المطبوعينَ على العربيَّة، فسأل الناسُ أبا الحسن أن يقرأَ عليه كتاب"النَّسَب"، ورغبوا في سماعه بقراءته، فأجابهم إلى ذلك، واجتَمَع في المجلس مَنْ كان بمِصْرَ من أهل العلم والأدب والفَضْل، فحَرَصُوا على أن يحفظوا على أبي الحسن لَحْنةً، أو يَظْفَروا منه بسَقْطَة، فلم يقدروا على ذلك حتَّى جعل مسلمٌ يَعْجَبُ ويقول له: وعربيَّةً أيضًا؟!

وقد دفع الدارقطنيَّ شَغَفُه بالعلم إلى الرحلة للقاء الشيوخ في سائر النواحي، فرحل إلى البصرة وله من العمر أربعةَ عشرَ عامًا، كما ارتحل إلى واسِط والكوفة وخُوزِسْتان ودمشق ومصر وغيرها.

وقال أبوعبدالله الحاكم في كتاب"مزكي الأخبار": «أبو الحسن صار واحدَ عصره في الحِفْظ والفَهْم والوَرَع، وإمامًا في القرَّاء والنَّحويِّين، أول ما دخلتُ بغدادَ كان يَحضُر المجالسَ وسنُّه دون الثلاثين، وكان أحدَ الحفَّاظ» .

(1) "تاريخ بغداد" (12/35) .

(2) في الموضع السابق.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت