إن أهمِّيَّةَ علْمِ الفرائضِ وفقهِ المواريثِ لا تَخْفَى على طالبِ العلْمِ، ويَكفي في أهمِّيَّةِ هذا العلْمِ أن اللهَ تعالى تَوَلَّى بنفسِه تقديرَ الفرائضِ وقِسمتَها كما وَرَدَ في كتابِه، وجاءت السنَّةُ النبويَّةُ شارِحةً بوضوحٍ أحكامَ هذا العلْمِ، وموضِّحَةً فَضْلَ التفقُّهِ في الدينِ، وقد قالَ رسولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (مَنْ يُرِدِ اللهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ) .
وقالَ عمرُ بنُ الخطَّابِ رضِيَ اللهُ عنه: (تَعلَّموا الفرائضَ، واللَّحْنَ، والسنَّةَ، كما تَعلَّمون القرآنَ) .
وقالَ القُرْطُبِيُّ: (فإن الفرائضَ عظيمةُ القدْرِ حتى إنها ثلُثُ العلْمِ، ورُوِيَ: نِصفُ العلْمِ، وهو أوَّلُ علْمٍ يُنتزَعُ من الناسِ ويُنْسَى .... وإذا ثَبَتَ هذا فاعلَمْ أن الفرائضَ: كان جُلَّ علْمِ الصحابةِ وعظيمَ مناظراتِهم .... ) .
وللهِ دَرُّ القائلِ:
علْمُ الفرائضِ علْمٌ لا نظيرَ له ... يَكفيكَ أن قد تَولَّى قَسْمَه اللهُ
وبيَّنَ الحظَّ تِبيانًا لوَارثِه ... فقالَ سبحانَه (يُوصِيكُمُ اللهُ)
وفي الكَلالَةِ فُتْيَا اللهِ مُنْزَلَةٌ ... فبَانَ تشريفُ ما أَفْتَى به اللهُ
وفقْهُ المواريثِ عُرِفَ وسُمِّيَتْ مسائلُه بعلْمِ الفرائضِ، ووجْهُ تسميتِهِ بعلْمِ الفرائضِ لما يَشتمِلُ عليه من الحقوقِ المفروضةِ أخْذًا من قولِه تعالى: {نَصِيبًا مَفْرُوضًا} تَغْلِيبًا للحقوقِ المفروضةِ على الحقوقِ المستحَقَّةِ بالتعصيبِ. ولقد اهتَمَّ علماءُ الأمَّةِ في القديمِ والحديثِ بخدمةِ هذا العلْمِ بالتعليمِ والتدريسِ، وتحريرِ قواعدِه وأصولِه، والتصنيفِ فيه نَظْمًا ونَثْرًا، بل وما من كتابِ فقْهٍ أُلِّفَ إلا وكتابُ الفرائضِ من فصولِه وأبوابِه وذلك لأهمَّيَّتِه البالغةِ، ومسيسِ الحاجةِ إليه، ومن خلالِ ذلك كَثُرَ التصنيفُ في هذا العلْمِ بمؤلَّفَاتٍ مطوَّلَةٍ ومختَصَرةٍ إما بالنثْرِ أو بالنظْمِ.
وبما أن النظْمَ أسهَلُ للحفْظِ، بل وأقربُ للنفْسِ فقد اعْتَنَى العلْماءُ بنظْمِ علْمِ المواريثِ، ومن هؤلاءِ الإمامُ أبو عبدِ اللهِ محمَّدُ بنُ عليِّ بنِ محمَّدِ بنِ الحسَنِ الرَّحَبِيُّ المعروفُ بابنِ الْمُتَقَّنَةِ، صاحبُ المنظومةِ المشهورةِ بالرحْبيَّةِ أو ما تُعرَفُ ببُغْيَةِ الباحثِ، التي امتازَتْ بحُسْنِ عرْضِها، وجَوْدَةِ مادَّتِها، وسَبْكِ عبارتِها، ووضوحِ معانيها، (وعِدَّةُ أبياتِ هذه المنظومةِ مائةٌ وخمسةٌ وسبعون بيتًا من الرَّجَزِ، بحرٌ من بحورِ الشعْرِ، ووزنُه مُسْتَفْعِلُنْ سِتَّ مرَّاتٍ) .
وقد تَلقَّفَها طُلابُ العلْمِ وأَقبَلوا على حِفظِها وفَهمِها ودراستِها، وتَناولَها العلْماءُ بالشرحِ والبيانِ والاختصارِ.
وممن قامَ بشرحِها - وهم كثيرٌ - الإمامُ محمَّدُ بنُ أحمدَ بنِ الشيخِ بدرِ الدينِ الدمشقيُّ المصريُّ الشافعيُّ المشهورُ بسِبْطِ الماردينِيِّ المتوفَّى سنةَ 907 هـ وهو شرْحٌ ماتِعٌ لطيفٌ.
وللإمامِ محمَّدِ ابنِ الشيخِ عمرَ البقَرِيِّ حاشيةٌ مفيدةٌ عليه. والشرْحُ مع حاشيتِه طُبِعَا في مجلَدٍ بتحقيقِ الدكتورِ مصطفى ديب البُغا.
وهناك حواشٍ على شرْحِ سِبْطِ الماردينيِّ غيرُ حاشيةِ البقريِّ، من ذلك:
حاشيةُ أحمدَ بنِ عليِّ بنِ محمَّدِ البرماويِّ الذهبيِّ الشافعيِّ الضريرِ المتوفَّى سنة 1222 هـ وهي مخطوطةٌ في دارِ الكُتُبِ المصريَّةِ برقمِ 25928 ب وتَقَعُ في 51 وَرَقَةٍ.
وحاشيةُ عبدِ اللهِ بن عليٍّ المصريِّ الأزبكيِّ المعروفِ بسويدانَ المتوفَّى سنة 1234 هـ وهي في دارِ الكُتُبِ المصريَّةِ برقمِ 19486 ب وتَقَعُ في 12 وَرَقَةٍ.
وحاشيةُ إبراهيمَ بنِ محمَّدِ بنِ أحمدَ البرماويِّ الأنصاريِّ الشافعيِّ المتوفَّى سنة 1106 هـ وهي مخطوطةٌ وتوجَدُ لها نسختان خطِّيَّتان في جامعةِ الملكِ سعودٍ، الأُولى برقمِ 1170 وتَقَعُ في 32 ورقةٍ. والثانيةُ برقمِ 589 وتَقَعُ في 45 ورقةٍ.