إليه، فأمر أربعة نفر من أصحابه فخرجوا بمسجد عبّاد .. وهم الذين كانوا صاحبوه بالبحرين فدعوا إليه فلم يجبهم من أهل البلد أحد، وثاب إليهم جند السلطان فتفرقوا ولم يظفر بأحد منهم .. فخرج من البصرة هاربًا .. فسار إلى مدينة السلام (بغداد) فأقام فيها حولًا وانتسب فيها إلى أحمد بن عيسى بن زيد، وكان يزعم أنه ظهر له أيام مقامه آيات وعرف ما في ضمائر أصحابه، وما يفعله كل واحد منهم؛ وأنه سأل ربه آية أن يعلم حقيقة أمره فرأى كتابًا يُكتب له وهو ينظر إليه على حائط، ولا يرى شيئًا" [1] ."
ويسترسل الطبري في حديثه:"وذكر بعض تُبَّاعه أنه بمقامه بمدينة السلام استمال جماعة منهم جعفر بن محمد الصوحاني، ومحمد بن القاسم، وغلاما يحيى بن عبد الرحيم بن خاقان: (مشرقًا ورفيقًا) فسمى مشرقًا حمزة وكناه أبا أحمد وسمى رفيقًا جعفر وكناه أبا الفضل .. ثم لم يزل عامه بمدينة السلام حتى عُزل محمد بن رجاء عن البصرة، فخرج منها، فوثب رؤساء الفتنة من البلالية والسعدية ففتحوا المحابس، وأطلقوا من كان فيها؛ فتخلصوا فيمن تخلص .. فلما بلغه خلاص أهله شخص إلى البصرة فكان رجوعه إليها في شهر رمضان سنة خمس وخمسين ومائتين" [2] .
أقول: نلاحظ أن صاحب الزنج كل هذه الفترة لم ينضم إليه أي زنجي، فعلى مدار سبع سنوات كان يدعو العرب فقط وكان كل قواده من الأعراب أو بالأحرى كان جل أتباعه من اللصوص وقطاع الطرق والهاربين من السجون والمطاريد!! ثم متى وكيف ضم إليه الزنج وهم جماعة من العبيد من السودان ومن بلاد الحبشة كانوا يشتغلون في استصلاح الأراضي الزراعية والبصرة وضواحيها؟!
ذكر ابن جرير أن أول من انضم إليه من العبيد غلام اسمه ريحان بن صالح:"وفي سنة 255هـ اتخذ صاحب الزنج لواء مكتوبًا عليه بحمرة وخضرة الآية 111 من سورة براءة (إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله) وكتب اسمه واسم أبيه على هذا اللواء وعلقه في خشبة وأخذ يعد العبيد ويحرضهم على عصيان مواليهم بل أمر هؤلاء الغلمان بضرب مواليهم يقول الطبري في ذلك:"فأمر غلمانهم فأحضروا شطبة (سعف أخضر من جريد النخل) ثم بطح كل قوم مواليهم ووكيلهم فضرب كل رجل منهم خمسمائة شطبة" [3] ."
(1) المرجع السابق /ج9/ص411، ص412.
(2) المرجع السابق/ج9/ص412.
(3) السابق/ج9/ص414.