الشرح: أي ونقول أصل القدر سر الله تعالى أي علمه بما كان في خلقه وما يكون ومن كونه أوجد وأفنى وأفقر وأغنى وأمات وأحيا وأضل وهدى .. قال بعضهم: القدر تحديد الله تعالى أزلا كل مخلوق بحده الذي يوجد به من حسن وقبح ونفع وضر وما يحويه من زمان ومكان وما يترتب عليه من طاعة وعصيان وثواب وعقاب وغفران. وقال بعضهم: المراد من القدر أن تعتقد أن الله تعالى علم مقادير الأشياء وأزمانها قبل إيحادها ثم أوجد ما سبق في علمه أنه يوجد فكل محدث صادر عن علمه وقدرته وإرادته وبعضهم يقول: القدر إيجاد الله تعالى الأشياء على قدر مخصوص وتقدير معين في ذاتها وأحوالها وهذه كلها أقوال أهل السنة المؤمنين بالقدر، قال الإمام النووي رحمه الله: اعلم أن مذهب أهل الحق إثبات القدر وهو أنه سبحانه وتعالى قدر الأشياء في القدم وعلم سبحانه وتعالى أنها ستقع في أوقات معلومة عنده تعالى وعلى صفات مخصوصة، فهي تقع على حسب ما قدرها سبحانه وتعلى اهـ.
وأنكرت (( القدرية ) )هذا القدر وزعمت أن الأشياء لم تقدر في سابق علمه تعالى بل هي مستأنفة العلم تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا، وسميت قدرية لإنكارها القدر وقد انقرضت هذه الفرقة من قديم الزمان وصارت القدرية المشهورة في هذا الزمان التي تعتقد أن الخير من الله والشر من غيره تعالى الله عن ذلك.
وقوله: ولم يطلع على ذلك أي على ذلك السر الذي أسره سبحانه وتعالى وقوله: ملك مقرب ولا نبي مرسل فيه إظهار عجز من اتصف بالعبودية عن إدراك علم ما اختصت به الذات العلية فلا ينبغي الخوض والتعمق والتفكير في إدراك ما لم يدركه الملائكة والمرسلون فالخائض في ذلك متعاط لأسباب الخذلان محروم من كمال الإيمان سالك مسلك أهل الزيغ والطغيان نسأل الله السلامة من ذلك ولذا أطنب المصنف في التنفير عن ذلك فقال (فالحذر كل الحذر عن ذلك نظرا أو فكرا أو وسوسة فإن الله تعالى طوى علم القدر عن أنامه ونهاهم عن مرامه) كما قال تعالى {لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ} [الأنبياء: 23] .
فمن سأل لم فعل فقد رد حكم كتاب الله ومن رد حكم كتاب الله تعالى كان من الكافرين). والمراد بالوسوسة هنا المؤدية إلى الشكوك والشبه المثيرة للجدال والخوض في القدر وغيره من الأسرار التي انطوى علمها عنا وإلا فأصل الوسوسة وحديث النفس مرفوعان عن العبد وعليه مد أفعتهما ما أمكن.