الْمَأْمُونُونَ عَلَيْهِ الْعُدُولُ. حَفَظَةُ الدِّينِ وَخَزَنَتُهُ، وَأَوْعَيَةُ الْعِلْمِ وَحَمَلَتُهُ، إِذَا اُخْتُلِفَ فِى حَدِيثٍ كَانَ إِلَيْهِمْ الرُّجُوعُ، فَمَا حَكَمُوا بِهِ فَهُوَ الْمَقْبُولُ الْمَسْمُوعُ، مِنْهُمْ كُلُّ عَالِمٍ فَقِيهٍ، وَإِمَامٍ رَفِيعٍ نَبِيهٍ، وَزَاهِدٍ فِى قَبِيلَةٍ، وَمَخْصُوصٍ بِفَضِيلَةٍ، وَقَارِئٍ مُتْقِنٍ، وَخَطِيبٍ مُحْسِنٍ، وَهُمُ الْجَمْهُورُ الْعَظِيمُ، وَسَبِيلُهُمْ السَّبِيلُ الْمُسْتَقِيمُ، وَكُلُّ مُبْتَدِعٍ بِاعْتِقَادِهِمْ يَتَظَاهَرُ، وَعَلَى الإِفْصَاحِ بِغَيْرِ مَذَاهِبِهِمْ لا يَتَجَاسَرُ، مَنْ كَادَهُمْ قَصَمَهُ اللهُ، وَمَنْ عَانَدَهُمْ خَذَلَهُ اللهُ، لا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ، وَلا يَفْلَحُ مَنْ اعْتَزَلَهُمْ، الْمُحْتَاطُ لِدِينِهِ إِلَى إِرْشَادِهِمْ فَقِيْرٌ، وَبَصَرُ النَّاظِرِ بِالسُّوءِ إِلَيْهِمْ حَسِيْرٌ، وَإِنَّ اللهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ».
وَأَصْحَابُ الْحَدِيثِ هُمْ فِرْسَانُ هَذَا الدِّينِ، الذَّابُّونَ عَنْ حِيَاضِهِ كَيْدَ الطَّاعِنِينَ، فَبِهِمْ رَفَعَ اللهُ مَنَارَ الْحَقِّ وَأَوْضَحَهُ، وَخَفَضَ الْكَذِبَ وَالزُّورَ وَفَضَحَهُ، وَعَصَمَ شَرِيعَةَ الإِسْلامِ مِنَ التَّزْيِيفِ وَالْبُهْتَانِ، وَجَعَلَ السُّنَّةَ الْمُطَهَّرَةِ مَصُونَةً مِنَ التَّبْدِيلِ وَالتَّحْرِيفِ، وَالزِّيَادَةِ وَالْنُقْصَانِ، بِمَا حَفِظَهُ فِى صُدُورِ أَهْلِ الْحِفْظِ مِنْهُمْ وَالإِتْقَانِ، وَبِمَا عَظَّمَ مِنْ شَأْنِ الْكَذِبِ عَلَى رَسُولِهِ الْمَبْعُوثِ بِوَاضِحَاتِ الصِّدْقِ وَالْبُرْهَانِ.
فَكَمْ وَضَعَ الزَّنَادِقَةُ وَالْوَضَّاعُوَن وَالأَفَّاكُونَ، وَضِعَافُ الْحِفْظِ مِنَ الزُّهَّادِ وَالْعُبَّادِ وَالْمُغَفَّلُونَ، بِقَصْدٍ وَتَعَمُّدٍ، أَوْ بِغَفْلَةٍ وَسُوءِ حِفْظٍ، كَمْ وَضَعُوا مِنْ أَحَادِيثِ فِى التَّرْغِيبِ وَالتَّحْذِيرِ، وَالنَّذَارَةِ وَالتَّبْشِيرِ، وَفَضَائِلِ الأَقْوَالِ وَالأَعْمَالِ، وَمَنَاقِبِ الصَّحْبِ وَالآلِ، فَكَشَفَ اللهُ عَلَى أَيْدِى الْجَهَابِذَةِ مِنْ حُفَّاظِ الآثَارِ وَنُقَّادِ الأَخْبَارِ زَيْغَهُمْ، وَفَضَحَ كَيْدَهُمْ، إِذْ بَيَّنُوا أَحْوَالَ رُوَاتِهَا، وَحَلَّلُوا دَقَائِقَ أَسَانِيدِهَا، وَمَيَّزُوا صَحِيحَهَا وَسَقِيمَهَا، فَكَشَفُوا عَوَارَ الْبَاطِلِ وَالْمَوْضُوعِ، وَأَوْضَحُوا عِلَلَ الْمُنْكَرِ وَالْمَصْنُوعِ. وَلِهَذَا لَمَّا سُئِلَ السَّيِّدُ الْجَلِيلُ وَالإِمَامُ الْقُدْوَةُ النَّحْرِيرُ عَبْدُ اللهِ بْنُ الْمُبَارَكِ الْمَرُوزِيُّ: مَا هَذِهِ الأَحَادِيثِ الْمَوْضُوعَةِ؟، أَجَابَ قَائِلًا: تَعِيشُ لَهَا الْجَهَابِذَةُ.
وَللهِ دَرُّ الْعَلاَّمَةِ مُحَمَّدِ عَلِىِّ آدَمَ الأُثْيُوبِيُّ، حَيْثُ يَقُولُ فِى مَنْظُومَتِهِ «تَذْكِرَةُ الطَّالِبِينَ بِبَيَانِ الْوَضْعِ وَأَصْنَافِ الْوَضَّاعِينَ» :
لَمَّا حَمَى اللهُ الكِتَابَ الْمُنْزَلا ... عَنْ أَنْ يُزَادَ فِيهِ أَوْ يُبَدَّلا
أَخَذَ أقْوَامٌ يَزِيدُونَ عَلَى ... أَخْبَارِ مَنْ أَرْسَلَهُ لِيَفْصِلا
فَأنْشَأَ اللهُ حُمَاةَ الدِّينِ ... مُمَيِّزينَ الْغَثَّ مِنْ سَمِينِ
قَدْ أَيَّدَ اللهُ بِهِمْ أَعْصَارَا ... وَنَوَّرُوا الْبِلادَ وَالأَمْصَارَا