[التحبير في علم التفسير: 122]
وقد نص أبو عبيد على أن هذا الحديث تواتر عن النبي - صلى الله عليه وسلم -.
الثانية: اختلف في المقصود بهذه السبعة على نحو أربعين قولًا، وأنا أذكر منها، ما هو أوجه وأشبه. فقال خلق منهم: سفيان بن عيينة، وابن جرير، ونسبه بعضهم لأكثر العلماء على أن المراد: سبعة أوجهٍ من المعاني المتقاربة بألفاظ مختلفة نحو: أقبل، وتعال، وهلم، كما تقدم في بعض ألفاظ أبي بكرة. وروي عن أبيّ أنه كان يقرأ: {يوم يقول المنافقون والمنافقات للذين آمنوا انظرونا} للذين آمنوا أمهلونا - للذين آمنوا أخرونا - للذين آمنوا ارقبونا - وكان يقرأ: {كلما أضاء لهم مشوا فيه} مروا فيه - سعوا فيه.
قال الطحاوي: وإنما كان ذلك رخصة أن يقرأ الناس القرآن على سبع لغات لما كان يتعسر على كثير منهم التلاوة على لغة قريش، وقراءة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لعدم علمهم بالكتابة والضبط
[التحبير في علم التفسير: 123]
وإتقان الحفظ ثم نسخ بزوال العذر وتيسر الكتابة والحفظ، وكذا قال ابن عبد البر، والقاضي الباقلاني.
وقال آخرون: وروى عن ابن عباس: على سبع منها سبع لغات بلغة العجُز من هوازن، قال أبو عبيد: وهم: بنو سعد بن بكر، وجشم، ونصر بن ميمونة، وثقيف، وهم أفصح العرب، والأخريان: قريش، وخزيمة، وقال الهروي: المراد على سبع لغات، أي أنها متفرقة في القرآن فبعضه بلغة قريش، وبعضه بلغة هوازن، وبعضه بلغة هذيل.
[التحبير في علم التفسير: 124]
وقال بعضهم: المراد بها: معاني الأحكام كالحلال والحرام، والمحكم والمتشابه والوعد والوعيد ونحو ذلك، وكل ذلك ضعيف ما عدا الأول فإنه أقرب، والصواب أن المراد بها اختلاف القراءات.
ثم قال أبو عبيد: ليس المراد أن جميعه يُقرأ على سبعة أحرف ولكن بعضه على حرف وبعضه على آخر، واختاره ابن عطية، وكذا قال أبو عمرو الداني: المراد على سبعة أوجه وأنحاء من القراءات.
قال بعضهم: ليس المراد بالسبعة الحصر فيها بحيث لا يزيد ولا ينقص بل السعة والتيسير وأنه لا حرج عليهم في قراءته بما أذن لهم فيه والعرب يطلقون لفظ السبعة والسبعين والسبعمائة ولا يريدون حقيقة العدد بل التكثير، ورده ابن الجزَري بأن في بعض ألفاظه:"فنظرت إلى ميكائيل فسكتّ - فعلمت أنه قد انتهت العدة، فدل على أن حقيقة العدد وانحصاره مراد، قال: وقد تتبعت صحيح القراءات وشاذها"
[التحبير في علم التفسير: 125]
وضعيفها ومنكرها فإذا هو يرجع اختلافها إلى سبعة أوجه لا تخرج عنها وذلك: إما في الحركات بلا تغير في المعنى والصورة نحو: {بالبُخل} بأربعة ويحسب بوجهين، أو بتغير في المعنى فقط نحو: {فتلقى آدم من ربه كلمات} وإما في الحروف بتغير المعنى لا الصورة نحو: (تتلو) أو عكس ذلك نحو: (الصراط السراط) أو بتغيرهما نحو: (وامضوا واسعوا) .
وإما في التقديم والتأخير نحو: (فيُقتلون ويَقتلون) أو في الزيادة والنقصان نحو: (أوصى ووصى) فهذه سبعة لا يخرج الاختلاف عنها.
[التحبير في علم التفسير: 126]
وأما نحو اختلاف الإظهار والإدغام والروم والإشمام والتحقيق والتسهيل والنقل والإبدال، فهذا ليس من الاختلاف الذي يتنوع فيه اللفظ والمعنى، لأن هذه الصفات المتنوعة في أدائه لا تُخرجه عن أن يكون لفظًا واحدًا.
وقد ظن كثير من العوام والجهلة أن السبعة الأحرف هي قراءات القراء السبعة وهو جهل قبيح.
الثالثة: هل المصاحف العثمانية مشتملة على جميع الأحرف السبعة فذهب جماعات من الفقهاء والقراء والمتكلمين إلى ذلك وبنوا عليه أنه لا يجوز على الأمة أن تهمل نقل شيء منها.
وقد أجمع الصحابة على نقل المصاحف العثمانية من المصحف الذي كتبه أبو بكر وعمر وأجمعوا على ترك ما سوى ذلك.
قال ابن الجزري: وذهب جماهير العلماء من السلف والخلف وأئمة المسلمين إلى أنها مشتملة على ما يحتمله رسمها من الأحرف السبعة فقط جامعة للعرضة الأخيرة التي عرضها النبي - صلى الله عليه وسلم - على جبريل متضمنة لها لم تترك حرفًا منها، وهذا الذي يظهر
[التحبير في علم التفسير: 127]
صوابه، ويجاب عن الأول بما قال جرير:
إن القراءة على الأحرف السبعة لم تكن واجبة على الأمة وإنما كان جائزًا لهم، ومرخصًا لهم فيها فلما رأى الصحابة أن الأمة تفترق وتختلف إذا لم يجتمعوا على حرف واحد اجتمعوا على ذلك اجتماعًا شائعًا وهم معصومون من الضلال ولم يكن في ذلك ترك واجب ولا فعل حرام، ولا شك أن القرآن نسخ منه في العرضة الأخيرة وغُيِّر، فاتفق الصحابة على أن يكتبوا ما تحققوا أنه قرآن، مستقر في العرضة الأخيرة وتركوا ما سوى ذلك.
الرابعة: السبب في نزول القرآن على هذه الأحرف التيسير والتسهيل على هذه الأمة، والنهاية في إعجاز القرآن وإيجازه وبلاغة اختصاره إذ تنوع اللفظ بمنزلة