الأول: قيل تعرف الحقيقة بوجوه:
(أ) نص أهل اللسان.
(ب) تحديدها.
(ج) تعديد خواصها.
(د) اطرادها: وهو جريانها على ما في معناها نحو: (فلان عالم) ، لقيام العلم فيصدق العالم على كل ذي علم، {واسأل القرية} إذ لا يطرد في سؤال الربع والطلل، لأنه لا يكفي، واطراد الحقيقة المذكورة من قبيل اطراد العلة في معلولها.
(هـ) مبادرة الذهن عند إطلاق اللفظ، كنسبته إلى الماء الكثير عند إطلاق لفظ البحر.
(و) تجرد اللفظ عن القرينة وهي علامة عدمية.
ويعرف المجاز:
(أ) بالنص عليه نحو: هذا مجاز.
(ب) وبالقرينة، نحو: «إياك والأسد» عن رجل حمل بيده سيفًا مجردًا.
(ج) وبعدم الاطراد والمبادرة.
(هـ) وبالمقابلة، أي وروده مقابلًا للحقيقة نحو: {ومكروا ومكر الله} ، {وجزاء سيئة سيئة مثلها} ، وفيه نظر، لأنه إن أريد أنه لا يرد إلا مقابلًا، بطل بقوله تعالى: {أفأمنوا مكر الله} ، وإن أريد أنه قد، وقد، لم يفد، لأن العلامة يجب أن تطرد، وقد ذكر الأصوليون له علامات أخر.
الثاني: المجاز يستلزم الحقيقة في قول؛ لأنه فرعها، والفرع يستلزم الأصل، وفي قول لا يستلزمها، لأن اللفظ، بعد وضعفه، قبل استعماله، لا حقيقة ولا مجاز، ويجوز أن يسمى به حينئذ غيره، لعلاقة بينهما، فيكون مجازًا لا حقيقة له، وهو تهافت، إذ نقل العلاقة يستلزم الاستعمال.
أما الحقيقة فلا تستلزم المجاز، إذا الأصل لا يستلزم الفرع بالفعل، ومثاله: أسماء الأعلام نحو: زيد وعمرو، لأنها وضعت للفرق بين الذوات لا الصفات، والمجاز يتعلق بالصفات، إذ العلاقة صفة.
والمعلوم، والمجهول، والمدلول، ونحوها من الأسماء العامة، كل ذلك لا مجاز له.
فإن قلت: قد أجزتم التجوز باسم الشيء عن ضده، فلو سمي المعلوم مجهولًا، وبالعكس، كان ذلك مجازًا في الأسماء العامة، وقد أنكرتموه.
قلت: ما ذكرناه من التجوز باسم الشيء عن ضده صحيح، لكن قد ذكرنا أن التجاوز لا يطرد، فلا يلزم ما ذكرت.
وفي هذا الجواب نظر بناء على المختار في البحث بعده.
الثالث: متى وجدت أركان المجاز، وهي: اللفظان، والعلاقة، جاز إطلاقه، واستعماله من غير افتقار إلى نقله عن أهل اللسان على أظهر القولين فيه، كالقياس والاشتقاق، وقد سبق هذا البحث.