20 -مَنْ أنفق مِنْ خزائن علمه ولم يخش من ذي العرش إقلالا (1) .
يشير إلى حديث «أنفق بلالُ ولا تخشَ من ذي العرش إقلالا» وهو حديث: صحيح لغيره: رُوي من حديث بلال بن رباح وعبد الله بن مسعود وعائشة وأبي هريرة رضي الله عنهم ولا يخلو طريق منها من مقال، وهذا تفصيل الكلام عليها طريقا طريقا.
أولا- حديث بلال بن رباح
رواه الطبراني في الكبير ت. حمدي السلفي (1/ 359/ رقم 1098) ط. مكتبة ابن تيمية. والبزار في البحر الزخار ت. محفوظ الرحمن (4/ 204/ رقم 1366) ط. مؤسسة القرآن ومكتبة العلوم والحكم بالمدينة.
قال الطبراني: حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ إِسْحَاقَ التُّسْتَرِيُّ (2) (ثقة) ...
كلاهما (الْحُسَيْنُ بْنُ إِسْحَاقَ التُّسْتَرِيُّ والبزار) قالا: حدثنا عُمَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ الْأَسَدِيُّ (صدوق ربما وهم) ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي (3) (صدوق فيه لين) ، عَنْ إِسْرَائِيلَ (4) (ثقة) ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ (5) (ثقة اختلط بأخرة) ، عَنْ مَسْرُوقٍ (6) (ثقة ثبت) ، عَنْ بِلَالٍ قَالَ: دَخَلَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم وَعِنْدَهُ صُبَرٌ (7) مِنَ الْمَالِ، فَقَالَ: «أَنْفِقْ يَا بِلَالُ، وَلَا تَخْشَ مِنْ ذِي الْعَرْشِ إِقْلَالًا»
قال البزار: وَهَذَا الْحَدِيثُ قَدْ رَوَاهُ غَيْرُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ، عَنْ إِسْرَائِيلَ، عَنْ أَبِي إسحاق، عن مسروق أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل على بلال ... ، ولم يسنده إلا محمد بن الحسن. ورواه يحيى بن وثاب عن مسروق عن عبد الله.
قلت: أبو إسحاق السبيعي ثقة اختلط لما كبر والراوي عنه ابنُ ابنه (إسرائيل بن يونس بن أبي إسحاق السبيعي) وقد سمع منه بأخرة، قال صالح بن أحمد عن أبيه: (إسرائيل عن أبي إسحاق فيه لين سمع منه بأخرة) .
والذي يظهر لي -والله أعلم- أن رواية إسرائيل عن أبي إسحاق -وإن كان فيها لين- إلا أنها أثبت من رواية غيره ممن روى عنه بعد الاختلاط.
هذا، وقد اختلف عن أبي إسحاق فروي عنه موصولا ومرسلا:
= فأما الموصول فرواه:
1 -مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ الْأَسَدِيُّ عن إسرائيل به موصولا وهي رواية الطبراني والبزار السابقة
= وأما المرسل عن أبي إسحاق عن مسروق به ولم يذكر بلالا فرواه عنه:
1 -إسرائيل: رواه وكيع بن الجراح في الزهد ت. عبد الرحمن عبد الجبار الفريوائي (2/ 663/ رقم 377) ط. مكتبة الدار بالمدينة المنورة، ومن طريقه الإمام أحمد في الزهد ت. محمد عبد السلام شاهين (ص 12/ رقم 46) ط. دار الكتب العلمية قال وكيع: حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ مَسْرُوقٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم «أَنْفِقْ بِلَالُ، وَلَا تَخْشَ مِنْ ذِي الْعَرْشِ إِقْلَالًا»
2 -وسفيان الثوري: رواه ابن قتيبة (ثقة) في غريب الحديث ت. عبد الله الجبوري (1/ 412) ط. وزارة الأوقاف العراقية، قال: حَدثنِي أبي (صدوق) قَالَ حَدَّثَنِيهِ أَبُو سُفْيَان الغنوي (8) (مقبول) قَالَ ثناه مُوسَى بن مَسْعُود النَّهْدِيّ (صدوق سيء الحفظ وكان يصحف) ثَنَا سُفْيَان الثَّوْريّ عَن أبي إِسْحَق قَالَ سَمِعت مسروقا يَقُول ذَلِك.
قلت: أبو سفيان الغنوي ضعفه البخاري جدا فقال: فيه نظر، وقال الذهبي: هالك (9) ، وقال ابن حبان: يُخطئ كثيرا وَيَأْتِي بالأشياء الَّتِي لَا تشبه حَدِيث الثِّقَات فَعُدل بِهِ عَن مَسْلَك الْعُدُول عَن الِاحْتِجَاج بِهِ، وقال العقيلي: لا يتابع على حديثه، وقال أبو زرعة: يحدث عن سفيان بأحاديث منكرة.
لكن قال ابن عدي: لِقُطْبَةَ عن الثوري وغيرِه أحاديثُ مقاربة وأرجو أنه لا بأس به.
وقال ابن أبي حاتم: سألت أبي عنه فقال: كتبنا عنه ما بلغنا إلا خيرا، قلت له: إن البخاري أدخله في كتاب الضعفاء. قال: ذلك مما تفرد به. قلت: ما حاله؟ قال: شيخ يكتب حديثه ولا يحتج به ا. هـ
قلت: معنى قولِ أبي حاتم:"يكتب حديثه ولا يحتج به"أنه لا يحتج به عند الانفراد لكن يصلح حديثه للاعتبار فلهذا يكتب حديثه. وهذا معنى قولي: (مقبول) وهو اصطلاح الحافظ ابن حجر يقوله فيمن كان ضعيفا إذا انفرد لكن يصلح للاعتبار.
3 -زكريا بن أبي زائدة: رواه ابن الأعرابي (10) في المعجم ت. عبد المحسن الحسيني (1/ 82/ رقم 120) ط. دار ابن الجوزي، ومن طريقه الشهاب القضاعي (11) في مسنده ت. حمدي السلفي (1/ 438/ رقم 750) ط. الرسالة.
قال القضاعي (ثقة) : أنا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عُمَرَ التُّجِيبِيُّ (12) (صدوق) ، نا أَبُو سَعِيدٍ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ (ثقة) ، نا ابْنُ الْمُنَادِي (13) (صدوق) ، نا إِسْحَاقُ بْنُ يُوسُفَ الْأَزْرَقُ (ثقة) ، نا زَكَرِيَّا بْنُ أَبِي زَائِدَةَ (ثقة كان يدلس) ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ مَسْرُوقٍ، قَالَ رَسُولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم: «يَا بِلَالُ أَطْعِمْنَا» ... فذكره
4 -أبو حماد الحنفي: رواه أبو الشيخ في جزء فيه أحاديث أبي محمد عبد الله بن محمد بن جعفر بن حيان (أبي الشيخ) انتقاء ابن مردويه ت. بدر بن عبد الله البدر (ص 179/ رقم 94) ، ط. مكتبة الرشد بالرياض حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يَعْقُوبَ الْمُقْرِيُ (14) (ثقة) , حَدَّثَنَا جُبَارَةُ بْنُ مُغَلِّسٍ (متروك) , حَدَّثَنَا أَبُو حَمَّادٍ الْحَنَفِيُّ (15) (ضعيف) , عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ, عَنْ مَسْرُوقٍ, عَنْ بِلَالٍ رضي الله عنه به مرفوعا
فالحاصل: أن مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ الْأَسَدِيُّ انفرد برفعه عن إسرائيل عن أبي إسحاق
وخالفه وكيع فرواه عن إسرائيل عن أبي إسحاق مرسلا، وتابعه على روايته مرسلا: سفيان الثوري وزكريا بن أبي زائدة وأبو حماد الحنفي وإن كان الأخير طريقه ضعيف جدا
وبه يظهر أن الطريق المرسل عن أبي إسحاق هو الصحيح، والله أعلم.
(1) النهاية 1/ 9.
(2) قال الذهبي في (تاريخ الإسلام) (6/ 739) ت. بشار:"مُحدِّث رحَّال ثقة."
(3) هو محمد بن الحسن بن الزبير الأسدي الكوفي لقبه (التَّلّ)
(4) هو إسرائيل بن يونس بن أبي إسحاق السبيعي
(5) هو عمرو بن عبد الله بن عبيد بن أبي شعيرة الهمداني أبو إسحاق السبيعي
(6) هو مسروق بن الأجدع بن مالك الهمداني الوادعي أبو عائشة الكوفي
(7) الصُّبْرةُ من الطعام جمعها صُبَر كغُرْفَة وغُرَف، وهي الطعام المجتمع كالكُومة.
(8) هو قطبة بن العلاء بن المنهال أبو سفيان الغنوي
(9) ميزان الاعتدال في ترجمة فضيل بن عياض
(10) هو أبو سعيد بن الأعرابي أحمد بن محمد بن زياد بن بشر بن درهم البصري الصوفي (المتوفى: 340 هـ)
(11) هو القاضى أبو عبد الله محمد بن سلامة بن جعفر بن على بن حكمون القضاعى الشافعىّ (المتوفى سنة 454 هـ) .
(12) هو أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بنُ عُمَرَ بنِ مُحَمَّدِ بنِ سَعِيْدٍ التُّجِيْبِيُّ، المِصْرِيُّ، المَالِكِيُّ، البَزَّاز، المَعْرُوفُ: بِابْنِ النَّحَّاس.
(13) هو أبو جعفر محمد بن عُبَيد الله بن يزيد البغدادي بن أبي داود المنادي
(14) هوأَحْمَد بْن يَعْقُوب بْن إِبْرَاهِيم أَبُو الْعَبَّاس المقرئ ويعرف بابن أخي العرق، تاريخ بغداد ت بشار (6/ 477)
(15) هو مفضل بن صدقة بن سعيد أبو حماد الكوفي الحنفي