الصفحة 6 من 43

والقِلَى: البُغْضُ، فإنْ فَتَحْتَ القافَ مَدَدْتَ كقَولِكَ: قَلاهُ يَقْلِيهُ قِلًى وقَلاءً: ولغةُ طَيئٍ يَقلاهُ، وأَنْشَدَ ثَعلبٌ:

أيامَ أمِّ الغَمْرِ لا يَقْلاَهَا

والمتعزَّلُ: الْمَوْضِعُ الذي يُعْتَزَلُ فيه.

مَنْأًى اسمٌ مُعْتَلٌّ مقصورٌ، سُمِّيَ بذلك لِحَبْسِه عن الإعرابِ، ولم تَظْهَرْ فيه الحركةُ الإعرابيَّةُ؛ لأنَّ الألِفَ حَرْفٌ هَوَائِيٌّ يَجرِي مع النفَسِ، لا اعتمادَ له في الفَمِ، والحركةُ تَقْطَعُ جَرْيَ الحرْفِ عن استطالتِه، فلذلك لم يَجْتَمِعَا ومتى حُرِّكَتِ انقَلَبَتْ هَمزةً، فتَخرُجُ عن أصْلِها، ويُعْرَفُ إعرابُ هذا النوعِ، بما قَبْلَه مِن العامِلِ، هل اقْتَضَى رَفْعًا أو نَصْبًا أو جَرًّا، وبما بعدَه, فبالتابِعِ مِن وَصْفٍ أو عطْفٍ أو غيرِه, فإعرابُ التابعِ كإعرابِ المتبوعِ، تقولُ: هذا مَنْأًى قَريبٌ، فبِأَيِّ حركةٍ حَرَّكْتَ قَريبًا، فاحكُمْ على مَنْأًى به.

وكذا يَجْرِي حكْمُ الْمَبْنِيَّاتِ مما ليس مَقصورًا، أو كان مَقصورًا إلا أنَّ بينَه وبينَ كَمْ ومِن، وما شابَهَهُما، مما كان يُمْكِنُ تَحريكُ آخِرِه بحركةِ الإعرابِ، ولم يُحَرَّكْ لبِنائِه، فَرْقًا في الحكْمِ عليه في الإعرابِ.

وذلك أنَّ ما كان مَقصورًا، يكونُ مُعْرَبًا بالحركةِ الإعرابيَّةِ، مقَدَّرَةً على آخِرِه؛ لأنها مُسْتَحِقَّةٌ له، وامتنَعَ ظُهورهُا لنُبُوِّ الألِفِ عنها.

فكأنها ملفوظٌ بها، وأمَّا مِن وكم ونظائرُهما فلا تُقَدَّرُ على الحرْفِ الآخِرِ منها حركةُ الإعرابِ؛ لأنَّ امتناعَ الحركةِ لم يَكُنْ، لأنَّ آخِرَه غيرُ قابلٍ لها، بل لأنَّ الاسمَ بكمالِه امْتَنَعَ دُخولُ الإعرابِ عليه، ففي الْمَبْنِيِّ تقولُ: هو في مَوْضِعِ اسمٍ مرفوعٍ، أو منصوبٍ، أو مجرورٍ، وفي المقصورِ: هو في تقديرِ نصْبٍ أو رَفْعٍ أو جَرٍّ، وقد لا يَمتنِعُ الإطلاقُ عليه بما أُطْلِقَ على الأوَّلِ، غيرَ أنَّ حكْمَ التحقيقِ ما ذَكَرْنَاهُ.

ومَنْأًى مُبتدأٌ, وجَوَّزَ الابتداءَ به شيئانِ، أحَدُهما: تَقَدُّمُ الخبرِ، والثاني: كونُه مَوصوفًا بالجارِّ والمجرورِ، وهو قولُه: للكريمِ.

وعن الأَذَى، مَوْضِعُه نَصْبٌ بِمَنْأًى، ومُتَعَزَّلُ مُبتدأٌ أيضًا، وفيها الخبَرُ، ولِمَنْ خافَ القِلَى، يَجوزُ أنْ يكونَ صِفَةً لِمُتَعَزَّل، قُدِّمَ فصارَ حالًا، وأنْ يكونَ مَفعولًا لِمُتَعَزَّل.

لعَمْرُكَ ما بالأرضِ ضِيقٌ على امْرِئٍ سَرَى راغِبًا أو راهبًا وهو يَعْقِلُ

العَمْرُ: الحياةُ والبقاءُ، وفيه لُغاتٌ ثلاثٌ، عَمْرٌ بفَتْحِ العينِ وإسكانِ الميمِ، وبضَمِّ العينِ وإسكانِ الميمِ، وبضَمِّهما، والضِّيقُ مَصدرُ ضاقَ يَضِيقُ ضِيقًا, والرغبةُ إرادةُ الشيءِ، يُقالُ: رَغِبَ في الشيءِ إذا أَرادَ, ورَغِبْتُ عن الشيءِ زَهِدْتُ فيه، والرهبةُ: الخوْفُ.

والأصْلُ الإتيانُ بفِعْلِ القَسَمِ في كلامِهم، حتى صارَ يُوصَلُ به الكلامُ، ويَقَعُ حَشْوًا فيه، فلا يُعَدُّ فَصْلًا، وقد يُلْغَى لذلك فلا يُؤتَى بجَوابِه، فتَصَرَّفُوا فيه، بأنْ حَذَفُوا الفعْلَ وأَبْقَوُا الْمُقْسَمَ به.

واللامُ في"لَعَمْرُكَ"لامُ الابتداءِ وليستْ جوابَ القَسَمِ؛ لأنَّ القسَمَ لا يُجابُ بالقَسَمِ، وإلا لتَسَلْسَلَ ولم يُثْبِتُوهُ، ولا يُستعْمَلُ في القَسَمِ مِن اللغاتِ الثلاثِ إلاَّ المفتوحةُ لأنها أخَفُّ اللغاتِ، ووَزْنُها أخَفُّ الأوزانِ الثلاثيَّةِ كلِّها.

والقَسَمُ كثيرُ الاستعمالِ عندَهم فاخْتَارُوا له أَخَفَّها، قالَ الْحَبْرُ ابنُ عَبَّاسٍ:"لم يُقْسِمِ اللهُ بحياةٍ غيرِ حياةِ النبيِّ ـ صلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ"ـ وخَبَرُ هذا المبتدأِ محذوفٌ، وهو قَسَمِي، أيْ لعَمْرُكَ قَسَمِي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت