الصفحة 28 من 484

كان تعالى مريدًا لها لكان هو بالذم أولى من حيث ان كل من عاب شيئا ثم فعله كان بالذم أولى قال تعالى: {كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لاَ تَفْعَلُونَ} (الصف: 3

{فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا}

فيه مسائل: المسألة الأولى: في سبب نزول هذه الآية قولان: أحدهما: وهو قول عطاء ومجاهد والشعبي: ان هذه الآية نازلة في قصة اليهودي والمنافق، فهذه الآية متصلة بما قبلها، وهذا القول هو المختار عندي. والثاني: انها مستأنفة نازلة في قصة أخرى، وهو ما روي عن عروة بن الزبير أن رجلا من الانصار خاصم الزبير في ماء يسقى به النخل، فقال صلى الله عليه وسلم للزبير: [اسق أرضك ثم أرسل الماء إلى أرض جارك] فقال الانصاري: لأجل أنه ابن عمتك، فتلون وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال للزبير: [اسق ثم احبس الماء حتى يبلغ الجدر] واعلم أن الحكم في هذا أن من كانت أرضه أقرب إلى فم الوادي فهو أولى بأول الماء وحقه تمام السقي، فالرسول صلى الله عليه وسلم أذن للزبير في السقي على وجه المسامحة، فلما أساء خصمه الأدب ولم يعرف حق ما أمر به الرسول صلى الله عليه وسلم من المسامحة لاجله أمره النبي عليه الصلاة والسلام باستيفاء حقه على سبيل التمام، وحمل خصمه على مر الحق. المسألة الثانية: «لا» في قوله: «فلا وربك» فيه قولان: الأول: معناه فوربك، كقوله: {فَوَرَبّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ} (الحجر:92) و «لا» مزيدة لتأكيد معنى القسم، كما زيدت في {لّئَلاَّ يَعْلَمَ} لتأكيد وجوب العلم و {لاَ يُؤْمِنُونَ} جواب القسم. والثاني: انها مفيدة، وعلى هذا التقدير ذكر الواحدي فيه وجهين: الأول: انه يفيد نفي أمر سبق، والتقدير: ليس الأمر كما يزعمون انهم آمنوا وهم يخالفون حكمك، ثم استأنف القسم بقوله: {فَوَرَبّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكّمُوكَ} والثاني: أنها لتوكيد النفي الذي جاء فيما بعد، لأنه إذا ذكر في أول الكلام وفي آخره كان أوكد وأحسن. المسألة الثالثة: يقال شجر يشجر شجورا وشجرا إذا اختلف واختلط، وشاجره إذا نازعه وذلك لتداخل كلام بعضهم في بعض عند المنازعة، ومنه يقال لخشبات الهودج شجار، لتداخل بعضها في بعض. قال أبو مسلم الأصفهاني: وهو مأخوذ عندي من التفاف الشجر، فان الشجر يتداخل بعض أغصانه في بعض، وأما الحرج فهو الضيق. قال الواحدي: يقال للشجر الملتف الذي لا يكاد يوصل اليه: حرج، وجمعه حراج، وأما التسليم فهو تفعيل يقال: سلم فلان أي عوفي ولم ينشب به نائبة، وسلم هذا الشيء لفلان، أي خلص له من غير منازع، فاذا ثقلته بالتشديد فقلت: سلم له فمعناه أنه سلمه له وخلصه له، هذا هو الأصل في اللغة، وجميع استعمالات التسليم راجع إلى الأصل فقولهم: سلم عليه، أي دعا له بأن يسلم، وسلم اليه الوديعة، أي دفعها اليه بلا منازعة، وسلم اليه أي رضي بحكمه، وسلم إلى فلان في كذا، أي ترك منازعته فيه، وسلم إلى الله أمره أي فوض اليه حكم نفسه، على معنى أنه لم ير لنفسه في أمره أثرا ولا شركة، وعلم أن المؤثر الصانع هو الله تعالى وحده لا شريك له. المسألة الرابعة: اعلم أن قوله تعالى: {فَلاَ وَرَبّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ} قسم من الله تعالى على أنهم لا يصيرون موصوفين بصفة الايمان إلا عند حصول شرائط: أولها: قوله تعالى: {حَتَّى يُحَكّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ} وهذا يدل على أن من لم يرض بحكم الرسول لا يكون مؤمنا. واعلم أن من يتمسك بهذه الآية في بيان أنه لا سبيل الى معرفة الله تعالى إلا بارشاد النبي المعصوم قال: لأن قوله: {لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ} تصريح بأنه لا يحصل لهم الايمان إلا بأن يستعينوا بحكم النبي عليه الصلاة والسلام في كل ما اختلفوا فيه، ونرى أهل العلم مختلفين في صفات الله سبحانه وتعالى، فمن معطل ومن مشبه، ومن قدري ومن جبري، فلزم بحكم هذه الآية أنه لا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت