اختصما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في شراج من الحرة. كانا يسقيان بها النخل فقال:"اسق يا زبير ثم أرسل الماء إلى جارك"فغضب حاطب وقال: لأن كان ابن عمتك فتغير وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال:"اسق يا زبير ثم احبس الماء حتى يرجع إلى الجدر واستوف حقك ثم أرسله إلى جارك"كان قد أشار على الزبير برأي فيه السعة له ولخصمه فلما أحفظ رسول الله صلى الله عليه وسلم استوعب للزبير حقه في صريح الحكم ثم خرجا فمرا على المقداد فقال: لمن كان القضاء فقال الأنصاري: قضى لابن عمته ولوى شدقه. ففطن يهودي كان مع المقداد فقال: قاتل الله هؤلاء يشهدون أنه رسول الله ثم يتهمونه في قضاء يقضى بينهم وايم الله لقد أذنبنا ذنبًا مرة في حياة موسى فدعانا إلى التوبة منه وقال: اقتلوا أنفسكم ففعلنا فبلغ قتلانا سبعين ألفًا في طاعة ربنا حتى رضي عنا. فقال ثابت بن قيس بن شماس: أما والله إن الله ليعلم مني الصدق لو أمرني محمد أن أقتل نفسي لقتلتها.
وروى أنه قال ذلك ثابت وابن مسعود وعمار بن ياسر فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"والذي نفسي بيده إن من أمتي رجالًا الإيمان أثبت في قلوبهم من الجبال الرواسي". وروى عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: والله لو أمرنا ربنا لفعلنا والحمد لله الذي لم يفعل بنا ذلك فنزلت الآية في شأن حاطب ونزلت في شأن هؤلاء.
وفي تفسير ابن الجوزي
قوله تعالى: {فَلاَ وَرَبّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ} في سبب نزولها قولان.
أحدهما: أنها نزلت في خصومة كانت بين الزبير وبين رجل من الأنصار في شراج الحرة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم للزبير: «اسق ثم أرسل إلى جارك» فغضب الأنصاري، قال: يا رسول الله: أن كان ابن عمتكا فتلون وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم قال للزبير: «اسق يا زبير، ثم احبس الماء حتى يبلغ الجدر» قال الزبير: فوالله ما أحسب هذه الآية نزلت إلى في ذلك. أخرجه البخاري، ومسلم.
والثاني: أنها نزلت في المنافق، واليهودي اللذين تحاكما إلى كعب بن الأشرف، وقد سبقت قصتهما، قاله مجاهد.
قوله تعالى: {فَلاَ وَرَبّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ} أي: لا يكونون مؤمنين حتى يحكموك، وقيل: «لا» رد لزعمهم أنهم مؤمنون، والمعنى: فلا، أي: ليس الأمر كما يزعمون أنهم آمنوا، وهم يخالفون حكمك. ثم استأنف، فقال: وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم، أي: فيما اختلفوا فيه.
وفي «الحرج» قولان.
أحدهما: أنه الشك، قاله ابن عباس، ومجاهد، وقتادة، والسدي في آخرين.
والثاني: الضيق، قاله أبو عبيدة، والزجاج. وفي قوله {وَيُسَلّمُوا تَسْلِيمًا} قولان.
أحدهما: يسلموا لما أمرتهم به فلا يعارضونك، هذا قول ابن عباس، والزجاج، والجمهور.
والثاني: يسلموا ما تنازعوا فيه لحكمك، ذكره الماوردي.
وفي تفسير القرطبي:
الآية: 65 {فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما}
قال مجاهد وغيره: المراد بهذه الآية من تقدم ذكره ممن أراد التحاكم إلى الطاغوت وفيهم نزلت. وقال الطبري: قوله"فلا"رد على ما تقدم ذكره؛ تقديره فليس الأمر كما يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك، ثم استأنف القسم بقوله:"وربك لا يؤمنون". وقال غيره: إنما قدم"لا"على القسم اهتماما بالنفي وإظهارا لقوته، ثم كرره بعد القسم تأكيدا للتهمم بالنفي، وكان يصح