ذوقًا، وإنما المقصود هو كفاية من تفرغ لخدمة كتاب الله وتمكينه من استثمار الوقت الذي سيبذله في العمل وصرفه في تعليم أو تعلم القرآن وعلومه؛ وليس هذا متاحًا لأيٍّ كان، وإنما لمن اجتمعت فيه مواهب وملكاتٌ تظهر أن له إمكاناتٍ لنفع الإسلام والمسلمين إذا تفرغ، وأن الأمة محتاجةٌ إليه، وأن طلب الرزق سيعيق مسيرته؛ وأما من تمكن من الجمع بين الخيرين، فحريٌّ به أن يوزع وقته بين طلب العلم وطلب الرزق، قال أبو شهبة:"وكذلك كان المشتغلون من الصحابة بزراعاتهم، وتجاراتهم شديدي الحرص على الوحي، ولا سيما القرآن، وحفظ ما نزل منه" [1] ؛ فلم تشغلهم الزراعة والتجارة عن حفظ القرآن الكريم. وعن عمر بن الخطاب أنه قال: كنت أنا وجارٌ لي من الأنصار في بني أمية بن زيد وهي من عوالي المدينة وكنا نتناوب النزول على رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ينزل يومًا وأنزل يومًا، فإذا نزلت جئته بخبر ذلك اليوم من الوحي وغيره، وإذا نزل فعل مثل ذلك" [2] ؛ معنى ذلك أنهما دبرا أمرهما للظفر بطلب الرزق وبطلب العلم في آنٍ واحدٍ."
وهكذا نجد أنهم ما كان يشغلهم دينهم عن دنياهم، ولا تشغلهم دنياهم عن أمور دينهم، وحفظ كتاب ربهم، وسنة نبيهم [3] .
فالأمر بحاجة إلى فقه الأولويات وإلى الموازنة بين ما يجب على الإنسان من جلب قوته وقوت من يعول، وبين واجبه عندما يصير طلب العلم وتعليمه واجبًا عينيًا عليه. ولله در أحمد شوقي حين قال [4] :
يا طالِبًا لِمَعالي المُلكِ مُجتَهِدًا ... خُذها مِنَ العِلمِ أَو خُذها مِنَ المالِ
بِالعِلمِ وَالمالِ يَبني الناسُ مُلكَهُمُ ... لم يُبنَ مُلكٌ عَلى جَهلٍ وَإِقلالِ
(1) نفسه، ص 411.
(2) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب العلم، باب التناوب في العلم، 1/ 29.
(3) المدخل لدراسة القرآن الكريم، مرجع سابق، ص 411.
(4) الشوقيات (ديوان) , أحمد شوقي، 1/ 185.