يتبيَّن من هذه الآيات بشكلٍ واضحٍ وممتازٍ أنه بعد مجيء الكتب الإلهية التي دعت الناس إلى الوحدة، قام أشباه العلماء وأصحاب الأغراض والمصالح الشخصية بإيجاد الاختلاف بسبب الحسد والحقد والتعصب والظلم والاسترزاق بالدين والاستفادة من الآخرين وغير ذلك من الأغراض والمآرب التي لخصها القرآن بعبارة: «بَغْيًا بَيْنَهُمْ» . لقد أوضح الحق تعالى إتمامًا للحُجَّة وإرشادًا لطالبي الهداية وأهل الإنصاف، حال أمثال أشباه العلماء أولئك بشكل واضح كي لا ينخدع الناس بهم، ولذلك قال في شأنهم: {وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ} [البقرة/176] . كما أن الله تعالى جعل القرآن الكريم حَكَمًا ومرجعًا في حلّ الخلافات وقال: عليكم بالرجوع إلى الكتاب الإلهيّ لرفع الفساد والاختلاف، كما قال: {وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللهِ} [الشورى/10] ، وقال أيضًا: {فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ} [النساء/ 59] .
قال حضرة أمير المؤمنين عليّ - عليه السلام - بشأن هذه الآية: «إِنَّا لَمْ نُحَكِّمِ الرِّجَالَ، وَإِنَّمَا حَكَّمْنَا الْقُرْآنَ فَرَدُّهُ إِلَى اللهِ أَنْ نَحْكُمَ بِكِتَابِهِ، وَرَدُّهُ إِلَى الرَّسُولِ أَنْ نَأْخُذَ بسُنَّتِهِ» [1] . وقال أيضًا: «فَالرَّدُّ إِلَى اللهِ اَلْأَخْذُ بِمُحْكَمِ كِتَابِهِ وَاَلرَّدُّ إِلَى اَلرَّسُولِ اَلْأَخْذُ بِسُنَّتِهِ اَلْجَامِعَةِ غَيْرِ اَلْمُفَرِّقَةِ» [2] . لاحظوا أن الإمام لم يقل: ارجعوا إلى الحديث، لأنه لم يكن هناك وجودٌ في زمانه لكتب الحديث بل كان قصدُهُ من سُنَّةِ الرسول ?سُنَّةَ النبيِّ الأكرمِ? القطعيةَ الجامعةَ المقبولةَ لدى المسلمين جميعًا.
(1) ... نهج البلاغة، الخطبة 125.
(2) ... نهج البلاغة، الرسالة 53.