الصفحة 28 من 31

وقال الطبري في معنى الآية: من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره على الكفر فنطق بكلمة الكفر بلسانه وقلبه مطمئن بالإيمان، موقن بحقيقته، صحيح عليه عزمه، غير مفسوح الصدر بالكفر، لكن من شرح بالكفر صدرًا اختاره وآثره على الإيمان، وباح به طائعًا: فعليهم غضب من الله ولهم عذاب عظيم [1] .

وسبب ذلك: أنهم استحبوا الحياة الدنيا على الآخرة فأقدموا على ما أقدموا عليه من الردة لأجل الدنيا [2] .

شروط الإكراه:

قال ابن حجر: شروط الإكراه أربعة:

1 -أن يكون فاعله قادرًا على إيقاع ما يهدد به، والمأمور عاجزًا عن الدفع ولو بالفرار.

2 -أن يغلب على ظنه أنه إذا امتنع أوقع به ذلك.

3 -أن يكون ما هدد به فوريًا، فلو قال: إن لم تفعل كذا ضربتك غدًا، لا يعد مكرهًا، ويستثنى ما إذا ذكر زمنًا قريبًا جدًَّا، أو جرت العادة بأنه لا يخلف.

4 -أن لا يظهر من المأمور ما يدل على اختياره.

ولا فرق بين الإكراه على القول والفعل عند الجمهور، ويستثنى من الفعل ما هو محرم على التأبيد كقتل النفس بغير حق [3] .

قال الخازن: قال العلماء: يجب أن يكون الإكراه الذي يجوز له أن يتلفظ معه بكلمة الكفر أن يعذب بعذاب لا طاقة له به مثل التخويف بالقتل والضرب الشديد، والإيلامات القوية مثل التحريق بالنار ونحوه [4] . واجمعوا أيضًا: على أن من أكره على الكفر لا يجوز له أن يتلفظ بكلمة الكفر تصريحًا، بل يأتي بالمعاريض وبما يوهم أنه كفر، فلو أكره على التصريح يباح له ذلك بشرط طمأنينة القلب على الإيمان، غير معتقد ما يقوله من كلمة الكفر، ولو صبر حتى قتل كان أفضل لفعل ياسر وسمية وصبر بلال على العذاب [5] .

لقد كان بلال رضي الله عنه تُفعل به الأفاعيل حتى إنهم ليضعون الصخرة العظيمة على صدره في شدة الحر ويأمرونه أن يشرك بالله فيأبى عليهم ويقول: أحدٌ. أحد. ويقول: والله لو أعلم كلمة أغيظ لكم منها لقتلها [6] .

وكذلك حبيب بن زيد الأنصاري [7] لما قال مسيلمة الكذاب: أتشهد أن محمدًا رسول الله؟

قال نعم. فيقول: أتشهد أني رسول الله؟ فيقول: لا أسمع، فلم يزل يقطعه إربًا إربًا وهو ثابت على ذلك [8] .

وكما فعل الصحابي الجليل عبد الله بن حذافة السهمي [9] : فإنه لما أسرته الروم جاءوا به إلى ملكهم فقال له: تنصَّر وأنا أُشركك في ملكي وأزوجك

(1) "تفسير الطبري": (ج14/ 182) .

(2) "تفسير ابن كثير": (ج4/ 525) .

(3) "فتح الباري": (ج12/ 311 - 312) .

(4) "تفسير الخازن": (ج4/ 117) .

(5) "تفسير الخازن": (( ج4/ 117) .

(6) انظر"تفسير ابن كثير": (ج4/ 525) .

(7) حبيب بن زيد بن عاصم بن عمرو الأنصاري أخو عبد الله بن زيد، ذكره ابن إسحاق فيمن شهد العقبة من الأنصار وقال هو الذي أخذه مسيلمة فقتله. قال ابن سعد شهد حبيب أُحدًا والخندق والمشاهد"الإصابة": (ج1/ 307) .

(8) "تفسير ابن كثير": (ج4/ 525) .

(9) هو عبد الله بن حذافة بن قيس بن عدي بن سعد بن سهم القرشي السهمي وأمه آمنة بنت حرثان من بني حارث، وهو من السابقين الأولين، يقال إنه شهد بدرًا، ولم يذكره موسى بن عقبة ولا ابن إسحاق ولا غيرهما من أصحاب المغازي. وقصته مع ملك الروم ذكرت سابقًا، انظر ترجمته في"الإصابة": (ج2/ 296) ، و"تهذيب التهذيب": (ج5/ 185) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت